عبد الحليم خدام وزير خارجية غير عادي
2020-04-05 | منذ 2 شهر
د. خير الدين حسيب
د. خير الدين حسيب

 

علمت من زوجتي أثناء قراءتي صحف يوم 31/3/2020 عن وفاة عبد الحليم خدام، في باريس . بعيدا عن وطنه في سوريا، وهو وزير خارجية وسياسي سوري غير عادي*.

تعرفت عليه أثناء فترة الحرب الأهلية في لبنان والوساطة العربية في السبعينات والثمانينات لحل النزاع وتكليف الأخ الأخضر الإبراهيمي بالوساطة وإيجاد حل للنزاع اللبناني ــ العربي ــ الأجنبي فيه. فقد جاء الأخضر  إلى دمشق للقاء الجانب السوري، وكانت سوريا طرفاً مهما إن لم يكن أساسياً في النزاع اللبناني ــ اللبناني.

وقد بدأ مهمته في سوريا بمحاولة مقابلة عبد الحليم خدام، وزير خارجية سوريا حينئذ، الذي لم يحدد دبلوماسياً موعداً له لمقابلته  (عملياً ورفض مقابلته). وسافر إلى الكويت وطلب مساعدتي. فذهبت إلى دمشق وقابلت الرئيس حافظ الأسد حول الموضوع وأخبرته أن الأخضر ” واحد منا” (كان حينئذ) ونتيجة لتلك المقابلة استُدعي الأخضر من الكويت وفُرش له البساط الأحمر، وكان ذلك بداية علاقتي المباشرة مع خدام.

ثم ازدادت علاقتنا وثوقاً وقرباً، وكان كلانا يتبسط في العلاقة مع الآخر وإلى أبعد من طبيعة العلاقات العادية.

ثم توثقت هذه العلاقة وازدادت وثوقاً بمرور الأيام وأصبحنا نتحدث ونتبادل الرأي في أمور عربية كثيرة.

ولأنني كنت مقدراً أنه توجد في مكتبه أجهزة تنصت، وهي من طبيعة الأوضاع حينئذ في سوريا، فقد كنت أتعمد ذِكر أمور أثناء مقابلاتنا كنت أعلم أن عبد الحليم خدام لا يمكن أن يُعلق عليها، ولكن غرضي كان وصول هذه المعلومات من خلال التنصت في مكتبه إلى الجهات العليا.!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم أذكر أنه مات في باريس في قصره هناك، لأن ذلك يثير مصدر القصر ويعطي صورة مضلله عنه، فالقصر آخر المطاف والبدء به يعطي صورة مضلله عنه.

 وكنت قبل تعرفي المباشر على عبد الحليم خدام، قد سمعت عنه من صديقي الراحل الدكتور سعدون حمادي، حين كان كلاهما وزيرا خارجية بلديهما، إن خدام وزير خارجية غير عادي وأنه ليس سهل المراس، وربما استعمل عبارة “شرس كان في وضعه ولكنني لست متأكداً من ذلك.

وازدادت العلاقات وثوقاً بيننا، رغم إنني لم أكن أحتل أي موقع رسمي مسؤول، حيث كنت حينها مبعداً في بيروت ومنفياً من العراق، لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن، كمدير عام مركز دراسات الوحدة العربية، الذي كنت قد شاركت بشكل أساسي في تأسيسه ببيروت، وتوليت منصب مديره العام بعد أن تعذر إيجاد شخص مناسب له بسبب بدء الحرب الأهلية في لبنان.

لم يكن عبد الحليم خدام، وزير خارجية عادي في زمن حكم الرئيس حافظ الأسد، وكان مشاركاً للرئيس الأسد وموضع اعتماده في السياسة الخارجية السورية والعربية منها بشكل خاص.

وخلال فترة وجوده وزيرا لخارجية سوريا، ثم نائبا للرئيس في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، توثقت علاقتنا  وكان يهمه الوقوف على رأيي حول أمور عربية كثيرة كانت تجري في المنطقة.

 ولم يكن خلال الفترة الأولى من هذه العلاقة، دور مهم للراحل رفيق الحريري في لبنان، وكان تأثير هذا الدور في تزايد. وأذكر أنه سألني مرة أثناء بحث إمكانية ترشيح الراحل رفيق الحريري رئيساً لوزراء لبنان عن رأيي في ذلك، وكانت إجابتي له بسؤال هو من سيستقبل رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري في الرياض عندما سيزور السعودية، وضحكنا معاً،  وأنصرفت دون الإجابة عن سؤالي وضحكنا معاً ولكن مرحلة تأثير ودور رفيق الحريري ازداد على خدام فيما بعد وأصبح متأثرا وليس مؤثرا فيه فقط.

وإذا كان الحريري قد اخترق عبد الحليم خدام تدريجيا، إلا أنه، وبقدر معلوماتي لم يستطع أن يخترق الراحل حافظ الأسد إلا في حدود ضيقة جداً. وكانت نهاية هذا مطاف القصر الذي خصصه (مكانا لخدام) الحريري في باريس للراحل عبد الحليم خدام، والذي وافته المنية فيه.

وبدأ نجم خدام في الأفول بعد وفاة الراحل الأب وتولي الإبن بشار السلطة، رغم أنه كان فاعلاً أساسياً في شكليات وانتقال السلطة بعد وفاة الأب.

وبعد أفول نجمه بعد تولي الإبن بشار للسلطة وترك منصب نائب الرئيس، زرته في دمشق وكانت تلك الزيارة آخر اجتماع لي به.

 وقد حاول أن يلعب أثناء إقامته في باريس دوراً مع المعارضة السورية، ولكن الظروف الموضوعية كانت قد تغيرت ولم تكن مُساعِدة.

ويبقى عبد الحليم خدام شخصا متميزا في عصره وفي منصبه وفي الأحداث التي لعب دورا فيها، وترك بصماته عليها، إيجابياً وسلبياً.

كان عبد الحليم خدام عاملاً مؤثراً كثيرا في العلاقات السورية ــ العراقية. وبسبب خلافه مع الرئيس صدام، كان عقبة حقيقية في التقارب بين سوريا والعراق، رغم محاولة صدام استرضاءه عن طريق تلبية مصالح إبنه التجارية، وترجع جذور هذه العلاقة السلبية إلى حادثة أثناء الاجتماع الذي رتبه الراحل الملك حسين بين الرئيسين حافظ الأسد وصدام حسين على الحدود السورية العراقية تركت أثارها* السلبية على العلاقة بين صدام وخدام وبالتالي بين العراق وسوريا.

وقد قيل الكثير عن نزاهته ونظافته المالية ولا مجال للخوض فيها، ولكنها تركت أثاراً  جانبية ظاهرة تتطلب البحث والتحقيق للخوض فيها وكان القصر الذي توفي خدام فيه في باريس إحداها؟!

إن كل الكبار في تاريخهم لهم إيجابياتهم وسلبياتهم، والتاريخ هو الذي يحكم بعد الوقوف على الوقائع كلها، وهو أمر لم يعد من السهل والممكن للوقوف عليه؟!

ولكن يبقى عبد الحليم خدام سياسي سوري غير عادي ترك بصماته على تاريخ سوريا، إيجابا وسلبا.

أثناء اجتماع على الحدود العراقية السورية رتبه الملك حسين بين الرئيسين صدام حسين وحافظ الأسد، وبحضور الملك حسين، دخل خدام على المجتمعين لمصافحتهم ولكن الرئيس صدام رفض مصافحته, وأخذ الملك حسين خدام إلى خارج محل الاجتماع وحاول ترضيته، ولكن أثار الخلاف تركت جرحاً عميقا في صدر خدام، وكان لها تأثيرات سلبية على العلاقة بين البلدين فيما بعد.

رئيس مركز دراسات الوحدة العربية ووزير عراقي سابق

عن موقع رأي اليوم



مقالات أخرى للكاتب

لا توجد مقالات أخرى للكاتب

التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

الأكثر قراءة

فيس بوك

إجمالي الزيارات

39,575,556