هيكل .. وحديث عن اوباما

البديل نت - المنتدى العربي -الجزيرة - محمد كريشنان
2012-11-19 | منذ 5 سنة

محمد كريشان : كنت من الذين كرروا في حلقة كهذه أنه من الصعب أن ينتخب الأمريكي رجلا أسود أو امرأة، وهو رأي كرره أكثر من محلل، فكيف تفسر إذن نجاح أوباما وهو من أصول إفريقية؟هيكل

محمد حسنين هيكل : لن أبرر فيما أقول ما حدث، فما زلت متأكدا أنه في ظروف طبيعية ما كان ممكنا لا لملون ولا لامرأة الفوز في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة؛ لأن المجتمع الأمريكي ببساطة ليس مؤهلاً بعد لهذا.
قلت آنذاك في حواري مع “الجزيرة” إنني أتمنى فوز أوباما، لكن ما أشرت إليه هو أنني لا يمكن أن أتصور وأنا رجل أعلم طبيعة المجتمع الأمريكي، وأعلم قضية التمييز العنصري، وقد قمت بتغطيتها كصحافي، أنه من الصعب أن ينجح أسود في الرئاسة، هناك من كان أكثر قدرة من أوباما وهو كولن باول، فكر في الرئاسة لكنه لم يقدم على خطوة الترشح.
ما يعنيني في ذلك الحدث ليس هو فوز أوباما، لكن رأيت فيما يحدث نظير أمريكي لما حدث بسقوط حائط برلين، وهنا أؤكد أنني أتحدث عن نظير وليس توأما، هو مثيل للحدث بالطريقة الروسية، ولكن على الطريقة الأمريكية.

 كريشان :مثيل له من حيث الوقع والصدمة؟
 هيكل : من حيث الوقع والصدمة، بل من حيث السقوط نفسه وطبيعة ما سقط، فعندما سقط حائط برلين سقطت معه الدفاعات الأولى للاتحاد السوفييتي لحلف وارسو؛ سقط الحائط الأسمنت المسلح، حصون المراقبة.. وسقطت أوكار المدافع الرشاشة، ودخل بعدها الاتحاد السوفييتي في مرحلة أخرى.
هذه المرة أكاد أرى حائط برلين يسقط ولكن في نيويورك! هناك تشابه لسقوط الجدارين، أحدهما جدار عسكري، والآخر جدار من غواية مالية لا يمكن تصورها؛ بنوك وبنك احتياطي والمشاهد تقريبا تكاد تكون هي نفسها، لكن الأمريكان قاموا بها على طريقة هوليوود وبالديمقراطية، بشكل باسم ضاحك، والروس أتوا ببوتين خاصتهم الجديد النظير لأوباما!
الأمريكان قاموا بتغيير على طريقتهم الديمقراطية، والروس قاموا بالتغيير عندما ظهرت الحاجة بوسائلهم أيضا، وأشير هنا وحتى لا تذهب بعض الأذهان إلى ما هو أبعد من قصدي، أنني لا أشبه الشيوعية بالرأسمالية، لكني أتحدث عن أوجه شبه أخرى لا مجال لإنكارها، حدثت عندما وقف كلا المجتمعين أمام لحظة كانا مضطرين فيها لإجراء تغييرات أساسية كي يُحَافظا على البقاء.
 إذن فبهذا المعنى تتفق مع د.عزمي بشارة حين رأى أن التغيير في الولايات المتحدة هو الذي أتى بأوباما وليس أوباما هو من سيأتي بالتغيير؟
إلى حد كبير جدا عزمي محق في هذا، فأنا أتصور أن حالة أزمة نظام، أوجدت ضرورة إلى شيء ما من خارجه، أقول هذا وقد قمت بتغطية الانتخابات الأمريكية الأربع عشرة مرة السابقة، ولكي أكون أكثر دقة؛ قمت بتغطية الحملة الأولى بالنسبة لي في 1952 (أيزنهاور ستيفنسون) وحتى الأخيرة الأخيرة (أوباما ماكين).

 كريشان : غطيت.. بمعنى؟

بمعنى أنني كنت موجودا في الولايات المتحدة، وحضرت بنفسي بعض المناسبات، بقيت أسبوعين لأسباب شخصية، لكني مكثت ثلاثة أسابيع أرقب وأتابع الحملة، لم أكتب عنها لكني اهتممت بالانتخابات الأمريكية الحالية، لأنها علامة تغيير فاصلة جدا في السياسة الدولية الراهنة، وربما في التاريخ المقبل، هذه أغرب حملة انتخابية شاهدتها أو شاهدها غيري، وقد غيرت مسارها أكثر من مرة.


أول هذه السنة الكل كان يعلم أن هذه سنة الحزب الديمقراطي، الجمهوريون دخلوا في إدارة بوش 8 سنوات وأساؤوا إلى انفسهم وإلى البلد ضمن مسار أزمة بدأت قبلهم بكثير. بوش والميراث المترتب عليه لا يسمح بإدارة جمهورية، فما حدث أن أحجم الجمهوريون المميزون عن الترشح، ونتيجة لذلك التوقع، تضاعف الأمل بالنسبة للديمقراطيين عندما دخلت هيلاري كلينتون في سباق الانتخابات، لأن هيلاري كلينتون كانت زوجة أحد الزعماء أو الرؤساء الكاريزميين في تاريخ الولايات المتحدة الحاليين، كما أن لديها مشروعا، فبدا أمام الجمهوريين والديمقراطيين أن هيلاري كلينتون لا يستطيع أحد إيقافها، فهي سوف تمشي في “مارش” منتصر حتى (البيت الأبيض)، وفعلا كانت استطلاعات الرأي ترجح كفتها عن أوباما، لكن مع الوقت بدا أن فضيحة بيل كلينتون في أواخر عهده لم تُغفَر له بعد، وأن مواريث كلينتون ليست كافية لدعم زوجته حتى النهاية.
دخلت ظاهرة أوباما وبدأ طور آخر في المعركة الانتخابية، ولم يتصدر من المرشحين الجمهوريين سوى ماكين، ودخلنا في مرحلة تالية، أوباما دخل في تصوره للتغيير، وتبين أن هيلاري كلينتون لم تستطع الوعد بالتغيير المطلوب، وبالتالي شهدنا فوز أوباما في الحزب الديمقراطي.
المرحلة الثالثة بدت فيها مشكلة اللون، كان الجميع يرون أنه من الصعب أن ينجح أوباما بسببه؛ لكن ما حدث هو “سقوط حائط نيويورك”: الأزمة المالية.
نتذكر دائما أنه كانت هناك إمبراطوريتان كبيرتان: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، واجه كل منهما الآخر وأهلكا بعضهما في “الحرب الباردة”، كلاهما خرج من الحرب مرهقا لأبعد مدى، لكن أحدهما سقط، وهو الاتحاد السوفييتي، لأن ليس لديه مرونة وليونة التجربة الأمريكية التي لديها الخيار الديمقراطي، سقط الاتحاد السوفييتي وبقيت أمريكا، لكن أمريكا على وشك لأنها مرهقة على الآخر!
أتذكر في مرة الجنرال ديجول قال عن أمريكا: “حتودي نفسها في داهية، ولكن حتودينا معاها في داهية”!. وقد كان، هي مرهقة والإرهاق يزيد.
نعود إلى المرحلة الثالثة من الانتخابات الأمريكية، جاءت تسونامي الأزمة المالية، وإذا بسقوط الحائط، والبنوك أمامنا تتهاوى.
عندما نتحدث عن التماثل بين السقوطين، أجد تشابها بين الرجلين اللذين أتيا بعد السقوطين، وكلاهما من خارج المؤسسة، بوتين في التجربة السوفييتية، وأوباما في التجربة الأمريكية، أحدهما من K.G.B والآخر من أقلية تعدادها 13% في أمريكا!.
 ولكن بوتين كان ضمن المؤسسة الرسمية على الأقل في الجانب الأمريكي؟
 نلاحظ أن في أمريكا اثنين يماثلان اثنين في روسيا، يلتسين وجورباتشوف بقابلهما بوش وتشيني، أحدهما يمثل الرجل الكاريزمي والآخر يمثل الجانب التنفيذي، هناك اختلاف كبير بين طبيعة النظامين، وهناك أيضا أوجه شبه تكاد تكون مرعبة بين ما يجري مع اختلاف كل شيء.
الأولى على نحو قصة مرعبة قام بتأليفها دايستوفسكي والثانية على طريقة فيلم Mr. Smith Goes to Washington عن شخص مثالي أمريكي أخذوه إلى واشنطن “علشان يصلح الدنيا” لكنه يئس وتركهم، لكن على أي حال لولا الأزمة المالية لا أعلم إلى أين كانت ستصل الانتخابات الأمريكية، ربما كانت لتصل إلى عقدة لا يستطيع منها أن ينجح أيهما.
الجمهوريون كانوا يراهنون على شيء، ونلاحظ إلى أي مدى كُثفت الغارات على وزيرستان، لأن الحزب الجمهوري أراد أن يأتي برأس أسامة بن لادن لكي تكون هذه مفاجأة أكتوبر، لكنا أصبحنا أمام مفاجأة أكتوبر بسقوط الأسواق المالية!
أريد أن تقف أمام مشهد آلان جرينسبان الخبير الأمريكي الساحر في الشؤون المالية، وهو واقف أمام الكونجرس يقول: أنا لا أستطيع أن أفهم ما جرى، أنا في حالة صدمة مما جرى لا تصدق ولا أستطيع تفسيره.
أؤكد هنا أن ما جرى ليس سقوطا لأمريكا ولا سقوطا للرأسمالية، ولكن من الممكن أن تقول إن أمريكا تعثرت أو أنها في حالة إغماء تقريبا.

 هيكل : في هذه الحالة يمكن القول إن الولايات المتحدة ومؤسساتها استطاعت أن تجد الرجل المناسب في الوقت المناسب لإعادة تجديد..؟
- هيكل مقاطعا: استطاعت أن تجد من تراهن عليه، انتبه إلى أن الاتحاد السوفييتي قام بعمل عملية التغيير “بالتطهير” هناك أناس في أمريكا يتصورون أن بإمكانهم عمل تغيير “بالتطهر” وليس “التطهير”، بأن تأتي بفرد نقي من خارج المؤسسة.

 كريشان صفحة بيضاء؟
 لو تتذكر الفيلم الذي قام به فرانك كابرا Mr. Smith goes to : هيكل Washington بهذا الفيلم براءة الداخل الأمريكي عندما يقترب من المؤامرات وأجواء وسراديب واشنطن، ويفاجأ بألعاب القوى الموجودة بالعاصمة ويضيق بها، والحزب الديمقراطي بمؤسساته كان يبحث عن شيء، البعض يقارنون بين كينيدي وأوباما، وأنا أرى أن المقارنة لا مجال لها، فقد جاء كينيدي إلى معركة هجومية ليسترد المبادرة للولايات المتحدة الأمريكية، بعد الجمود والرخاء والاطمئنان لدفاع أيزنهاور في مواجهة الاتحاد السوفييتي، لكن أوباما مسكين جاء ليواجه مأزق سقوط.
القوى الكبرى عندما تسقط لا تتفتت مثل أحوالنا، لكنها تتفكك، وعندما جاء بوتين على سبيل المثال كانت الإمبراطورية السوفييتية قد انتهت، لكنه جمع شمل ما بقي من الاتحاد، وبدأ بربط “صواميل” ما انفك منها.
التجربة الأمريكية أقوى، ما هو السبيل إلى أن يستطيع هذا الشاب ليس هو فحسب بل إدارته والقوى المحركة وراءه ربط ما تفكك.

كريشان : هل استطاعت الولايات المتحدة إذن بمؤسساتها أن تظفر بهذا الرجل في لحظة تاريخية دقيقة، ووجدت فيه إمكانية عبور هذه الهوة؟

هيكل .: لا. لا.. أنت أمام رجل في الواقع بلا تجربة، تربى معظم صباه خارج أمريكا، ثم ذهب إلى أمريكا فأصبح ظاهرة، لقد رأيته وهو يتحدث هو مزيج بين داعية، من مفكر مثالي يتحدث بمثالية، لكن عندما تصل إلى خلف الوعظ الأخلاقي وخلف الصورة البراقة اللطيفة، لشاب خارج من منطقة جديدة، وراء كل ذلك لا توجد تجربة.

كريشان : عنده جانب دغمائي في شخصيته وكلامه؟

 هيكل عنده جانب تبشيري، وقد لفت نظري في كلامه حتى في طريقة إلقائه هذا الجانب التبشيري، ولكنه موجود في مجلس الشيوخ وبدأت الأنظار تلتفت إليه باعتباره ظاهرة، ويذكرني أوباما بما نجده أحيانا في العالم العربي من دعاة جدد، يطلعون ويلفتون الأنظار.
هناك فقر سياسي موجود في الحزب الديمقراطي، كانت هيلاري كلينتون بالنسبة لهم هي المرشح الأقوى، لكنها وقعت في منتصف الطريق لسببين، الأول: أنها سيدة وهم غير واثقين أن أمريكا مستعدة لرئاسة سيدة بعد. والسبب الآخر أن وراءها تجربة زوجها، حتى إنهم عندما قاموا بتقديم أنفسهم في الحملة الانتخابية قالوا “تاخد اثنين بدل واحد هي وجوزها”!

كريشان : هل يمكن أن نسقط الجوانب الأخلاقية والثقافية أو غيرها، هل يمكن أن نغيب أن الناخب الأمريكي والرأي العام الأمريكي وصل فيها إلى مرحلة لم يجد فيها حرجا من أن يأتي رئيس من ذوي أصول إفريقية ليمسك بزمام الأمور؟

 هيكل :انتخاب أوباما في حد ذاته أعتقد أنه دليل على المرونة الأمريكية، دليل على انفتاح العقل الأمريكي لتقبل ما لا يمكن التفكير فيه، لكنه لا يمثل بالفعل قوة حقيقية، ما يصنع السياسة هي الحقائق الحقيقية على أرض معينة.
لقد سمعت كثيرا من زعماء الزنوج أو السود في أمريكا غاضبين جدا من أوباما، حدثني أحدهم في بوسطن قائلا على أوباما: هذا الراجل سيجهض قضية التمييز العنصري، لدينا مشكلة التمييز العنصري، كنا نلوم كولن باول أنه قبل المنصب الرفيع وفكر في الرئاسة لأن لدينا مشكلات أكبر بكثير من مجرد أن يُختار رجل أسود للتمويه، فيُجاء به في منصب كبير كوزير للخارجية، عندنا مشاكل حقوق حقيقية، ولما جاءت كوندوليزا رايس حاولوا أيضا استغلال نفس الحكاية لكن أمريكا تعلم حتى السود فيها يعلمون أن أمريكا ليست مهيأة لكن في ظروف أخرى لتقبل الأسود، لأنك كنت تريد التطهر.

كريشان : نعم. وجوده في لحظة تاريخية خطيرة جدا، مع آمال كبيرة تُعلق عليه داخل المجتمع، هل تعتقد أنه قادر على أن يغير كثيراً من النواحي داخل المجتمع الأمريكي؟

 هيكل : نعم اولى القضايا التي ستواجهه هي كيف يستطيع إثبات نفسه؟. هو مرشح مبتدئ بهذه الطريقة، مرشح ليست لديه قاعدة قوة، وأول ما سوف يواجهه أنه سوف يُمتحن في البيت الأبيض.. يمتحنه المحيطون به من إدارته الذين أتت بهم المؤسسة، سنجد تزاحما على الأماكن، وعلى مواقع التأثير على عقل الرئيس الأمريكي، وهو أمر منتظر من جميع القوى التي ساندت حملته.
أولهم اليوم هو رام إيمانويل، وقد تم تعيينه ككبير موظفي البيت الأبيض، ومعنى ذلك في هذا التوقيت: أن رام هو المشرف على عملية الانتقال. رام هذا والده إيمانويل كان عضوا أساسيا وفعالا في عصابة اراجون في فلسطين، وقد دخل في عملية إرهابية، وطُرد في عهد الانتداب من فلسطين إلى أمريكا، وفي أمريكا تزوج يهودية مثله مُنظِمة نقابية، وأنجبا رام وعمره حوالي خمسين سنة الآن، وقد ذهب إلى مدرسة يهودية في شيكاجو، وهو كان موجودا في إدارة كلينتون وكان عدوانيا جدا، اختلف مع كل رجال البيت الأبيض وتركه، لأنه كان لديه رأي مختلف.
هي أول إشارة وتحدٍ لباراك أوباما، وأنتظر باقي التعيينات والإشارات، فالقوى التي ساندت أوباما تريد ممثلين لها في الوزارات: وزارة الدفاع، الخارجية.
بايدن نائب الرئيس نفسه ليس شخصية بسيطة، هو منذ سنين طويلة جدا في مجلس الشيوخ، رئيس لجنة العلاقات الخارجية وله آراء ومواقف متعبة جدا.
ماذا تطلب المؤسسة المالية؟.. كيف تُواجه المؤسسة العسكرية؟ وبما لديها من تمييز عنصري حاد. بالنسبة أيضا للعمل العسكري ماذا يفعل؟ لديه 600 قاعدة في أمريكا نفسها و400 قاعدة في أوروبا و400 قاعدة في الشرق الأوسط، وحوالي 240 قاعدة في آسيا، لديه انكشاف وانتشار عسكري لأبعد مدى، ولديه تحدٍ مالي رهيب، لكن أكبر تحدٍ له سيكون أمام الكونجرس، والذي حصل على مجموعة من السلطات خاصة ما يتعلق بالحرب ومارسها منذ نهاية عهد كلينتون، وحتى الآن وسيحاول الكونجرس توسيع سلطته في القرار الأمريكي.

كريشان : فيما يخص الأزمة المالية تحديدا.. هل يمكن لهذا الرجل باراك أوباما في ظل الآمال المتعلقة به أن يغير الأمور؟

 هيكل : سيحاول وهناك بالفعل محاولات، لكني أُذكر هنا عندما كان ريجان في الحكم الأمريكي، وكان قد دخل في سباق السلاح بهدف كسر الاتحاد السوفييتي، وجه ريجان لآلان جرينسبان سؤالاً: هل نستطيع إذا صرفنا أكثر على السلاح أن نكسر الاتحاد السوفييتي فهو لن يجارينا، أجابه بأن هذا ممكن، ونتيجة لهذا خرج ريجان من الحكم وأمريكا مديونة بأربعة تريليونات دولار، وهو الذي جاء وأمريكا مديونة بنصف تريليون دولار، وعندما جاء كلينتون حاول قدر الإمكان ضبط الدين وأنزل العجز، وأنشأ فائضا في الميزانية، لكن حين يخرج بوش الابن من الحكم ستكون الولايات المتحدة مديونة بما بين 12 و14 تريليونات دولار، إذا تصورت أن إنتاجها الوطني كله أقل من 7 إلى 8 تريليون دولار، إذن أنت أمام بلد مديون بدين حقيقي.
الأرقام لا تكذب، إنها حقائق موضوعية، من الممكن أن يتخذ إجراءات للحلول، وسيتم سحبنا بكل تأكيد لنكون جزءا من هذه الحلول! لكن من له قبل للتصدي لهذا الدين، لذا يقول أوباما إنه يمكن للأزمة أن تنفرج في سنة أو اثنتين أو ثلاث، ويُلمح بأنها قد تكون في الرئاسة الثانية.


الوضع المالي الذي نشأ من حماقات الأعوام الثمانية السابقة وارتفاع الدين الأمريكي بما هو أكثر من الناتج القومي الأمريكي بمرة وربع هي مقاييس عملية، ما هو مدى ما يمكن فعله حيالها؟


كريشان : اذن أنت لديك تصور أن هذا الرجل تتعلق به من الآمال ما هو أكثر من قدرته على الإنجاز؟

 هيكل : الرأي العام الأمريكي سار باندفاع عاطفي، ونتيجة لما جنى منه مما جرى من الانهيارات في سبتمبر وأكتوبر في اتجاه مرشح الحزب الديمقراطي أوباما، ربما كان الأمر ليختلف لو أتى الجمهوريون برأس بن لادن، لكنهم فشلوا!
هناك شحنة عاطفية من الناس تتجه إلى أوباما وهي لا ترى ما وراء أوباما، ترى الشكل وترى الرمز.. ترى الضوء والأمل “ترى حاجة fresh على الأقل” روح التغيير.
من الأمور التي تلفت النظر أن شعار حملته الانتخابية كان Change التغيير، بينما شعار ماكين كان Country first.
شخص يريد أن يُجمد الأمر الواقع كما هو ويضيف ويزيد عليه، والآخر يعد بأن هناك تغييرا. وهنا كان شعور الناس العام في اتجاه الأخير، لكن هذا الشعور يختلف تماما عن: نوعية المشاكل والتحديات التي سيواجهها في البيت الأبيض، وحدود ما يستطيع أن يفعله حيالها.

كريشان : الى جانب دور المؤسسة المالية في حملة أوباما المؤسسة الإعلامية انحازت بشكل واضح لأوباما؛ ما الذي تراه في هذا الرجل إذا كانت قد وقفت معه بهذا القدر؟

 هيكل : اقصى ما تريده المؤسسة الأمريكية من أوباما: أولا أن يعطيهم فرصة لاستعادة الأنفاس Breathing space، ثانيا إعطاؤهم فرصة لتركيب ما انفك وانكشف وانفضح، ثالثا أن تقيم نوعا جديدا من العلاقات مع العالم، لعلها تستطيع بواسطة أوروبا والعالم العربي أن تحل بعض المشاكل.
ما أتصوره.. أن ما تريده المؤسسة بالدرجة الأولى هو إعطاء جرعة من الأمل، للتمكين من فرصة لعمل.

كريشان : ماذا عن الرجل الجديد والتوقعات بالنسبة للشرق الأوسط؟

هيكل : فيما يتعلق بمنطقتنا نحن هو جاهز لنا فورا، إذ لا يبدو في العالم العربي أن هناك قوة تطلب علاقة من نوع جديد مع أمريكا، أي قوة قد تعد جدول أعمال للآخرين، هذا يحدث حين تكون هناك مقاومة أو مطالبة أو رغبة في وضع نظام مختلف للعلاقات.

هناك قوى تطلب علاقة من نوع جديد مع أمريكا، ألمانيا تطلب علاقة من نوع جديد، فرنسا تطلب، كذلك الصين وروسيا، ونحن لا نطلب من الولايات المتحدة أي شيء، وأنا قرأت لأحد المحللين السياسيين في العالم العربي يكتب أنه يريد أوباما “أكثر رحمة”! أما نحن فنطلب الرضا والتأييد الأمريكي فحسب، وبالتالي ما هو جاهز لك أعد فعلا.

عندما تقول كوندوليزا رايس جاءت إلى المنطقة الآن، يجب أن تسأل لماذا أتت؟ الإدارة انتهت لكنها قادمة كي تربط في حزمة واحدة ما سوف يبدأ به دينيس روس.

أضيف هنا نقطة أن هناك أشخاصا كانت لهم رغبة في كسر سيطرة الواسب البيض، البروتستانت الأنجلوسكسونيين على السلطة، لكي تفتح بها المجال لأقليات كثيرة جدا، وأنا أعتقد أنه خلال رئاستين أو ثلاث سنجد رئيسا يهوديا.

أعود لما هو جاهز لنا بالفعل، ومنذ وقت مبكر جدا، هناك ضمن المؤسسات الديمقراطية؛ معهد “بروكنز” يعمل على خطة دينيس روس منسق العلاقات الأمريكية دوره حاضر. الوافد الجديد رام إيمانويل علاقته قوية بدينيس روس.

في هذا المعهد أُعدت خطة واضحة جدا لترتيب أوضاع معينة في المنطقة، وهي منطقة لا تريد أن تُفاوض، هي منطقة جاهزة تسالم، هناك بقايا جيوب مقاومة وإيران، لكنّا نجد كوندوليزا رايس تأتي لتربط ما أمكن التوصل إليه من اتفاقات: كي لا يبدأوا من جديد!

هناك الكثير من التصورات والكلمات التي جرت في رام الله وفي القدس، وهناك تعهدات وارتباطات لابد من تأكيدها، فالانتخابات “الإسرائيلية” قادمة عقب الانتخابات الأمريكية ولا مجال لإضاعة الوقت، وبالتالي لدينا مشكلة عاجلة.

إذن فالحزمة package الجاهزة للشرق الأوسط جُهِزت، ولا توجد هناك حاجة إلى تفاوض، منطقة مفتوحة، جاهزة.. ترجو من أي أحد أن يأتي، لكني أعتقد أن الشرق الأوسط سوف تكون المنطقة التي يتحرك فيها أوباما فورا، فليس بها تحديات، والخطة المطلوبة لشكل ما هو قادم Master plane جاهزة بالفعل؛ والمطلوب هو التحرك فيها.

كريشان : استغرب أستاذ هيكل من قولك إن هذه المنطقة ليس بها تحديات لرئيس مقبل، لأنه يُفترض لهذا الرجل أن يعالج مجموعة من الملفات في المنطقة، كل ملف أسوأ من الآخر في تعقيداته، هناك الملف العراقي، والملف الفلسطيني الذي أغرق في التفاصيل بعد كل هذه السنوات، فإذا أردنا أن نشرع بشكل سريع في استعراض هذه الملفات، وإلى أي درجة لا توجد تحديات: ملف العراق، الرجل وعد بالانسحاب، عارض الحرب، والآن ننتظر منه شيئا ليس كالذي عهدناه في السنوات المقبلة؟

هيكل  : ; انت تتوقع إذا كان لديك ما تبني عليه توقعاتك، والمشكلات قد تبدو حادة بالنسبة لك، لكن بالنسبة له فإن كل المشكلات تحت السيطرة على نحو ما، ثمة موضوع واحد يشغله وهو “إيران”. المؤسسة الأمريكية الاقتصادية العسكرية دخلت إلى العراق برضا تام، وبأحقية يتصورونها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبهدف الاستيلاء على منابع النفط، كانت هناك بعض المقاومة لكن من الممكن لهم أن يتداركوا ذلك.

بالنسبة للقضية الفلسطينية جرت نقاشات وتفاهمات، لكن على أي حال الوضع الفلسطيني يزعجني أنا لكنه لا يزعج أمريكا، ما يُزعج الآخرين هو مشكلات تفرض عليهم تضحيات. هم يعرفون ما يريدون، وحتى بالنسبة للعراق فإن أوباما لم يقل أكثر من: انسحاب منظم.

كريشان : لى امتداد 16 شهرا؟

هيكل : انسحاب منظم والقواعد موجودة، أحيانا ننسى أن شركات البترول الأمريكية البريطانية تم توزيعها فعلا، لقد كشفت لجنة تحقيق أن تشيني أنشأ لجنة للطاقة من قبل حادث سقوط برجي التجارة، ووجدوا كل ما ناقشته اللجنة خريطة للعراق: مواقع النفط مواقع التكرير مواقع النقل. إنها خطة موجودة بالفعل Master plane.

القوة الأمريكية كانت جاهزة بالفعل للعراق لكن ما فاجأها هو المقاومة، وارتفاع السعر المدفوع في مقابل ما يريدونه، لكن السعر يقل اليوم، والغنيمة أصبحت موضع تعاقد، وهناك اتفاق أمني يوضح كيفية الانسحاب لصالح الولايات المتحدة.

إنها مسألة أكبر جدا من أوباما ولا ننسى أن أوباما يُقدم نفسه للمصالح الأمريكية أيضا؛ وهذا ليس عيبا. هناك أحد السود ممن التقيت في زيارتي للولايات المتحدة قال لي عن أوباما: “إنه رجل أبيض في جلد أسود”!

وبالمناسبة أنا أعذره وأشفق عليه مما سيواجه؛ أراه شخصا وديعا جدا، وصاحب نغمة مثالية تبشيرية، لكن ما الذي يمكن أن يقدر عليه؟ أنت تتحدث عن شخص من خارج مؤسسة متحكمة، وهي تستطيع أن تبتزه، وهي من أتت به. صحيح أن لديه كاريزما تأييد من الشعب الأمريكي، لكن الشعب الأمريكي سيؤيده بمقدار ما سوف يحل من المشكلات.

كريشان : رأينا أوباما يقف ببرنامجه وطموحاته، ونرى لبسا أو تناقضا مع أن يكون ممثلا للمصالح الأمريكية بهذه الطريقة؟

هيكل : اوباما الشخص حسن جدا وأتمنى أن يؤكد سلطته على كافة مؤسساته، لكن تلك مسألة تحتاج إلى وقت كبير جدا وظروف مختلفة. أعود هنا للنقطة الرئيسية، هناك مشكلات في العالم العربي محسومة بالفعل مع الأسف الشديد، لكن أزمة أمريكا في الشرق الأوسط هي “أزمة إيران”. وأزمة إيران في اعتقادي ليست “السلاح النووي”، فالأمريكان يعرفون وقبل أي أحد، أنه لا يزال أمام إيران الكثير جدا لكي تصنع سلاحا نوويا، ليس أقل من 10 إلى 12 سنة.

المنطقة أصبح بها فراغ، مصر خرجت بتأثيرها، كان من الممكن أن تدخل السعودية بدور، لكن المشكلة أن السعودية تعتمد على بيوت علاقات عامة ترسم لها السياسة. دخلت في مشروع المبادرة العربية، ودخلت في موضوع حوار الأديان، وأنا لا يمكنني أن أتصور كيف يتجه الملك عبد الله وأنا أقدر هذا الرجل جدا وشعوره القومي للجلوس في مؤتمر الأمم المتحدة، ماذا يفعل مع بيريز وتسيبي ليفني؟!

سوريا لا تستطيع القيام بدور.. ونحن في فترة تبين فيها أن هناك فراغا أنشأ فضاءً للقوة، لم يعد هناك سوى المسألة الإيرانية.

كريشان : هي من تملأ هذا الفراغ؟

هيكل : من المحتمل أن تملأ هذا الفراغ المحلي في المنطقة. المسألة الحقيقية هي المعركة بين إيران و”إسرائيل” ومن منهم يستطيع أن يملأ الفراغ، وليست القضية هي السلاح النووي.

أوباما قال إن بوش داخل في صدام مع إيران وهذا لابد من إيقافه، فهو داخل بهذه الطريقة في كمية مشكلات لا حصر لها، دينيس روس وهو المكلف بالشرق الأوسط أعلن السيناريو الذي وضعه بصراحة: سياستنا أننا لن نقبل بنفوذ إيران، على الأقل بالنسبة للنظام الموجود حاليا، لا نريد أن نحارب نحن إيران، على الدول العربية أن تتجمع لكي تواجه الخطر الإيراني. وقد التقيت أحد المستشارين وثيقي الصلة بأوباما وقد قال لي: أنا أستغرب جدا أن الدول العربية لم تتنبه بعد إلى الخطر الذي يمثله السلاح النووي الإيراني عليها، فقلت له إنني أولا لا أرى خطرا داهما للسلاح النووي الإيراني، ثانيا أنني ضد وجود سلاح نووي في المنطقة كلها، لكن إذا كان أمامي سلاح نووي “إسرائيلي”، فلا مانع أن يوازنه آخر إيراني، فقال لي: “انسوا السلاح النووي “الإسرائيلي””، هذا سلاح أُنشئ وقت “الحرب الباردة” وهو موجه للاتحاد السوفييتي عندما كان الشرق الأوسط في مرمى الاتحاد السوفييتي، وبالتالي سمحنا بامتلاك “إسرائيل” للسلاح النووي، فهي مسألة ليست متعلقة بكم.


اذن وقد زال الاتحاد السوفييتي، صار السلاح النووي أمرا واقعا
المشكلة أننا بصدد رغبة أمريكية في تحجيم إيران، وأنا أرى أنه لا تعارض في مصالحنا مع إيران. الخطة المعلنة لدينيس روس تؤكد: سوف نبدأ بمفاوضات مع إيران.

كريشان : هنا إذن اتفاق في الأهداف مع إدارة بوش مع اختلاف الوسائل؟

هيكل : هناك فارق بين أن تضع أهدافا وأن تضع سيناريوهات، ما نراه الآن هو سيناريو، إخراج مختلف لقضية المواجهة مع إيران، والغرض هو ملء الفضاء السياسي والنفوذ في منطقة، خصوصا مع وجود حزب الله، وبقايا مقاومة في غزة، مع رفض عام بين الجماهير العربية بشكل أو آخر.

كريشان : لنكن إذن أكثر تحديدا، هل يمكن للرئيس أوباما أن يحترم تعهداته على الأقل بالنسبة للعراق والانسحاب منها؟

هيكل : ليس للولايات المتحدة مصلحة في الانتشار داخل العراق، هذا انتشار لابد من جمعه، وحتى بوش كان من شأنه أن يتمه، ضع في ذهنك باستمرار أن كل رجل جاء من خارج منصب معين، له أحلامه، أما وقد دخل إلى مكانه فأمامه مصالحه.

ثمة فارق بين برنامج أعلنه كما أريد للقبول العام، لكن هناك شيئا ما سوف أنفذه راضيا أو مقلعا، قابلا أو مضطرا بضرورات الوطن أن تقوم به.

كريشان : يفترَض أن يكون التركيز الأمريكي على إيران ولو تدريجيا بدءا بالحوار بالتوازي مع محاولة فيما يتعلق بالعراق؟

هيكل : في هذه الحالة سنجدهم “جايين علينا احنا”! الكارثة الكبرى التي أندهش أن كثيرين لا يتنبهون لها أن مطلب أمريكا الأول: إما أن تعقد اتفاقا لتحييد إيران أو أن تعقد اتفاقا وديا معها، وفي هذه الحالة أنا أتصور أنه السيناريو الكارثي في العالم العربي!

كريشان : هل ترجح الثاني.. التفاهم، خاصة أن أوباما يُفضل الحوار؟

هيكل : هو لن يلتقي أحمدي نجاد، والمفاوضات سوف تتم في الغالب من خلال طرف ثالث، على الأرجح أن ذلك الطرف هو الألمان أو الاتحاد الأوروبي، وستتركز شروطهم حول ابتعاد إيران عن الصراع العربي “الإسرائيلي”.

كريشان : اوباما كذلك لم يخفِ أن المعركة القادمة أيضا في أفغانستان وباكستان؟
<­BR> هيكل : الولايات المتحدة لا تستطيع أن تبتعد عن باكستان، هي الجسر الموجود ما بين إيران وشبه القارة الهندية، ما بين المواجهة الأوسع في آسيا والسلاح النووي في باكستان التي لديها مشكلات لا حدود لها.

لقد فعلنا بأنفسنا شيئا سيئا للغاية، قدمنا إسلاما مقاتلا دون أن نحدد: يُقاتل من، ودون أن نضع له أولويات، أرسلناه لقتال الإلحاد السوفييتي، ثم لحرب النظام في باكستان ثم إيران.

كريشان : لكن تركيز أوباما على أفغانستان وباكستان يُفترَض أن يكون بالتوازي مع محاولة لو تدريجية لفك الارتباط فيما يتعلق بالعراق، وفتح جسور حوار مع إيران؟

هيكل : تقنين الارتباط، وتنظيم الارتباط مع العراق، ومحاولة تغيير النظام الموجود في إيران.

كريشان : هل تعتقد أن جزءا من التسوية التي يمكن أن تتم في الشأنين العراقي والإيراني: أن تكف إيران يدها عن العراق؟.. هل يكون هذا ثمن يمكن لإيران أن تدفعه لكسب علاقة جديدة مع الولايات المتحدة؟

هيكل :لو كان الأمر بيد إيران لربما كان ذلك من المحتمل، أنا أعرف ذلك بالنسبة لحالة مصر، فهناك دول قد تستطيع أن تحدد من تختار، لكنها لن تستطيع أن تحدد من يختارها! إيران مركز الشيعة، وستظل باستمرار قوة جذب موجودة في العراق، في جماعات كثيرة في باكستان وفي لبنان، حتى لو أرادت الدولة الإيرانية عقد اتفاق جامع مانع بهذه الصورة فلن تستطيع.

كريشان : هنا يمكن أن نتوقع تغيراً في طبيعة العلاقات مع العراق دون أن ننتظر تغيرا دراميا في المشهد، ونتوقع بداية حوار مع إيران بصرف النظر عن نتائجه؟

<­STRONG>هيكل ; : مع الأسف فإن الأمور تهدأ في العراق بالفعل، هناك حكومة موافقة، والحديث يدور فحسب حول شروط لتحصين القوات الأمريكية وما أشبه، هدأت الأمور بالفعل وانتهى الأمر.

كريشان : بالنسبة للملف الفلسطيني، هل تتوقع شيئا عمليا بالنسبة للرئيس أوباما تجاه الملف الفلسطيني “الإسرائيلي”؟

هيكل ; : موضوع المبادرة العربية طُرِحت، و”الإسرائيليون” أعادوا النظر في شأنها، وهم الآن أكثر استعدادا للكلام على أساسها، فنحن سنشهد في البداية محاولة لعقد مؤتمر مشترك معهم، ومن الممكن أن يسبقه مؤتمر عربي يكلف مجموعة تفاوض مصرية أردنية للكلام مع “الإسرائيليين”.

فيما مضى كان للعرب رؤية للأمن القومي لفلسطين، ثم حدث ما يمكن أن نسميه فك ارتباط بدأ بمصر، ثم امتد للآخرين، وبالتالي الفلسطينيون أصبحت لديهم قضية أكبر منهم، العالم العربي تخلى عنهم، هم وحدهم أمام قوة لا قبل لهم بها. ما نحن إذن بصدده: مؤتمر قمة عربي تفاوض مع “إسرائيل”، وتقبل الأخيرة الدخول فيه، ليس لديها ما تعطيه ولن تستطيع أن تحل أو تحقق شيئا مفيدا للفلسطينيين، لكنها ستحضر المفاوضات وتؤدي دورها على الطريقة البلهاء التي يؤدي فيها ممثلونا في دافوس!

“إسرائيل” ستحضر المفاوضات وتقبل أشكالاً من الصيغ تمهيدا لتوجيه العرب إلى إيران “خلصنا ما نحن فيه الآن، هيا ننتقل إلى إيران”. سيحاولون خطف عدد من المكاسب في هذه المرحلة من المفاوضات؛ سيحاولون الوصول مع لبنان إلى معاهدة “عدم اعتداء” موثقة، تختلف عن الهدنة الراهنة.

أتوقع أن نصل لتسوية لكنها ليست تسويتنا، بالشروط “الإسرائيلية”، وسوف نجد في ذلك الشأن “إسرائيل أمريكا” تفاوض “إسرائيل الشرق الأوسط” وبينهما عالم عربي ضعيف، لا يستطيع أن يحسم موقفه على رؤية واحدة!

الطرف الفلسطيني في أوضاعه الراهنة لا يملك إلا أن يوافق، إلا إذا سوند عربيا، والولايات المتحدة تتجه إلى: أريد أن تملأ “إسرائيل” الفراغ في الشرق الأوسط، لكن في مقابل ذلك لابد أن تعطيني ما يلزم لإسكات “أصدقائي” في العالم العربي، لكن ليس لحل مشكلة فلسطين.

كريشان ; : لابد أن نمر على مصر في حديثنا، في فترة من الفترات كان الرئيس بوش مرعبا في مطالبته بالحريات والديمقراطية ومارس ضغوطا على مصر وغيرها، ثم تلاشت هذه الضغوط واختفت.. جاء الآن رئيس أمريكي جديد، هل تتوقع أن تكون له أجندة محددة فيما يتعلق بتنفيس الحياة السياسية في الدول العربية؟

هيكل : كيف يمكن لرئيس بوش أن يرسل أعدادا إلى العالم العربي للتعذيب من أجل الاستجواب، في السجون المصرية والأردنية والسورية والمغربية، كيف يتأتى للرئيس الأمريكي أن يرسل إليك أناسا كي تعذبهم وتنزع اعترافهم، ثم تقول له “لا والله خلي بالك من حقوق الإنسان”.

كريشان اوباما قد لا يفعل هذا؟

هيكل : ولا رئيس أمريكي بمن فيهم ويلسون جاء ليتكلم عن خير العالم بما يلائم مصالحك، وتعطي العالم بمقدار ما يوازي قوة كل طرف من الأطراف في العالم. لكنها لا تعطي هكذا!

أما بالنسبة للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي، فالحقيقة أن العالم العربي ضاعت منه الشرعية، المشكلة الكبرى في العالم العربي هي الشرعية، والشرعية هي أن تحكم برضا الناس، بتفويضهم وقبولهم. هناك المشروعية، وهي قدر من الشرعية، لكن السلطة تستكمل ما تبقى. هناك ما هو غير شرعي على الإطلاق.

ما يحدث في العالم العربي أن من يحكمون لا قبول لهم من الناس، وما من حل وسط يقبل نوعا من المشاركة، لكنا وصلنا إلى وضع غريب جدا في العالم العربي. سيادة الدولة لأنها مسألة أمن قومي ووفقا للعقد الاجتماعي قاعدتها القوات المسلحة، نقول أحيانا إن هناك دولا قاعدتها الديمقراطية، ودول أخرى قاعدتها عسكرية، نحن لأول مرة في العالم العربي القاعدة “بوليس”! وهي أيضا حالات قليلة جدا عالميا.

كريشان ; : هناك ملفات في مصر لابد من أن تحين قريبا مثل “ملف التوريث”.. هل سيكون أوباما فيما يتعلق بمصر مختلفا عن أي رئيس أمريكي سابق، وهل لديه أجندة مختلفة بالنسبة لمصر؟

.هيكل : لا. لا.. أوباما يحتاج إلى الدور المصري في المرحلة القادمة، لتمرير ما هو قادم في المنطقة، ممكن جدا lipstick serves شفهيا يقول: “خللوا بالكم من حقوق الإنسان”. لكن التوريث ليس في باله.

كريشان : اذن لا مانع في قضية التوريث بالنسبة له؟

هيكل ; : انا أعتقد أن ثمة مقاومة في مصر لذلك الموضوع. إن فكرة التوريث في أي بلد في الدنيا، توريث السلطة في نظام جمهوري.. أمر من المحرمات. إذا جاء الحزب الوطني الذي يمسك السلطة بالبوليس وقال: لقد اخترنا من ال 60 في اللجنة التنفيذية للحزب الوطني فلان الفلاني، ولم يعترض أحد، وإن كنت أؤكد صعوبة ذلك، لأنك بهذا تدفع الناس لليأس والعنف.

لا تعول على أوباما كثيرا، هو أو غيره يريد من أي قوة في العالم أن تستجيب إلى المصالح الأمريكية، وما يمكن أن يفعله حيال القضايا الحقيقية للدول بعد ذلك هو Over above شيء إضافي.

ما تريده أمريكا أن تستغل ما تبقى من دور مصري في تحقيق ما تهدف، ماذا يفعل أوباما إذا مصر قامت بالتوريث والناس لم تفعل شيئا.. هل يأتي لأن يقول: لا تقوموا بالتوريث؟!

كريشان : اذن الرهان هنا وليس في واشنطن؟

<­STRONG>هيكل ; : لا يوجد بلد في الدنيا تُحَل مشكلاته في الخارج، إلا إذا باع إرادته سلفا!

كريشان : هل لدى أوباما طريقة للتعامل مع قضايا التوريث والحكم في العالم العربي، بوش على الأقل كانت له طريقة واضحة في ذلك؟

هيكل : ليس هناك وضوح، بوش كان يقوم بعملية ابتزاز لنظم عربية كي تدفع له أكثر، لقد خطر ببال بعضهم وهماً أنهم وقد شاركوا منذ عهد والده وقت غزو العراق، وحتى عهده الذي شهد تدمير العراق، وظلوا معه حتى في مسألة تعذيب مساجينه لحسابه وإرسال اعترافاتهم له، إن هذا من شأنه أن يمنحهم أحقية وموقع مساواة. الدعوة الأمريكية للديمقراطية لم تكن أكثر من وسيلة ابتزاز.

كريشان : وهل يسري ذلك على أوباما أيضا؟

هيكل ; : هل تريد أن تجعل أوباما فوق الدولة الأمريكية؟! لابد أن تكون فاعلا أنت لكي يُلتفَت إليك.



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,155,234