عـــــــاجل:      وكالة : مجلس النواب الأردني يوافق على إعادة دراسة اتفاقيات مع إسرائيل

الذكرى الثالثة عشرة على رحيله مرت بتجاهل يكاد يوازي الجهل.. من يصغي للبردوني؟

البديل نت - أحمد علي البحيري
2012-09-26 | منذ 5 سنة

ترى لو كان الأديب اليمني الكبير عبد الله البردوني حيّاً حتى وقتنا هذا، ما الذي كان يمكن أن يقوله عن حال بلده اليمن الذي تعصف به الأنواء، بعد أن كان هذا البلد العربي يحمل لقب “اليمن السعيد”، وهو الشاعر والكاتب والناقد الذي لم يجنح يوماً إلى حزب سياسي، أو تكتل قبلي، ولم تجرفه السياسة لترميه في أحضان أصحاب القرار، كما فعل الكثيرون، ووقعوا في فخ “الانتماءات”، فقد كان أديباً نقياً صافياً مستشرفاً، لطالما حذر من المجهول القادم، حتى وقع المحظور، لكنه في المحصلة العامة شاعر وطني من الطراز الأول، فقد عبّر في معظم شعره الوطني عن تأكيده وإيمانه الشديد بوحدة اليمن، كما عبر عن عشقه للوحدة العربية والقومية العربية، باعتبارها الهدف الوحيد للعزة والكرامة العربية تجاه ما تواجهه من تحديات كبيرة. البديل نت

نتذكر شاعر اليمن الكبير البردوني في ذكراه الثالثة عشرة، التي مرّت علينا، وعلى بلده، هكذا سريعاً بفعل الزحمة، وثقل الأيام، لكن لا بأس من الحديث أو التذكير بقامة من قامات الإبداع العربي، هذا الأعمى المبصر في زمن أعمى، في التفاصيل والرؤى، واحترام مبدعيه وأبنائه المخلصين. والسؤال الذي نطرحه: لماذا حينما يرحل الكبار نبكي، ولماذا يخفت هذا البكاء، الى أن تجف الدّموع تماماً؟ ولماذا ينسى العرب كبار مبدعيهم ومثقفيهم، تماماً مثل الذي حدث للبردوني الذي أغنى ساحة بلده الثقافية، بكل ما تيسر له من ثقافة وإبداع وخيال وقصائد ودراسات وإضافات وتجديدات لم يسبقه إليها أحد؟ فقد رحل الرجل، ومرت ذكراه الثالثة عشرة دون أن يشعر بها إلا قلة قليلة من محبيه وأصدقائه وبعض المقربين من أسرته، بمقابل اهتمام رسمي خجول، حيث تمّ في ذكراه الإعلان عن خطوة لشراء منزله وتحويله إلى متحف تعرض من خلاله كتبه ودواوينه ومقتنياته الشخصية، بالإضافة إلى طباعة بعض مخطوطات دواوينه ومنها: “ابن من شاب قرناها”، و”العشق على مرافئ القمر”.

هل كان البردوني مستشرفاً لزمنه وواقعه؟ نعم لقد كان كذلك، فمن يقرأ أهم دواوينه الشعرية بعنوان “مدينة الغد” الصادر عام 1970، يستطيع النفاذ إلى روحه الوثابة المتعلقة بوطنه، وأمته، فقد تحدث عن الأحلام المكسورة، وعن المجهول، وعن الأجواء المظللة الضبابية التي تحيط بهذا الوطن وكأنه كان يعلم في داخله من خلال تلك الهواجس ورسائل التنبيه أن هناك خطراً، وكأنه يقرأ خريطة ما سيحدث بقلبه قبل عينيه. قراءة استشرافية محفوفة بجمال روح الدراما والحوار الذي الذي يصنع شكلاً يحقق بنية موسيقية، كما أن قصائده لا تخلو من ذلك “التشخيص البديع” وهي ميزة جوهرية في بناء القصيدة المعاصرة، وبهذه التقنية أمكن للبردوني من استكمال ما كان ناقصاً في القصيدة العربية، وفي هذا السياق إذا تتبعت معظم قصائده ستجد أن عنصر الحوار الدرامي بأنواعه متوافر بوضوح، وملاصق لهوية المكان أيضاً، ومن ذلك ما جاء في غالبية قصائد ديوانه الشهير “وجوه دخانية في مرايا الليل”، ومنها قصيدة بعنوان لافت هو “الوجه السبئي وبزوغه الجديد” يقول فيها:

ولكني متى متّ كنت (بخيتا)

فصرت شعوبا تسمى (بخيت)

لأن اسمك امتد فيهم، رأوك

هناك ابتديت، وفيك انتهيت

فأين ألاقيك هذا الزمان

وفي أي حقل؟ وفي أي بيت؟

ألاقيك، أرصفة في (الرياض)

أوراق مزرعة في (الكويت)

ومكنسة في رمال الخليج

وشت عن يديك وأنت اختفيت

وأسفلت أسواق مستعمر

أضأت مسافاتها، وانطفيت

ورويتها من عصير الجبين

وأنت كصحرائها ما ارتويت

لا نتذكر البردوني لهذه الأسباب فقط ، فقد كان الرجل سفيراً ثقافياً لبلده على المستوى العربي والعالمي، مثله مثل أسماء يمنية كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر، الشاعر والناقد الدكتور عبد العزيز المقالح الذي خصّه بالكثير من الكتابات نقتطف منها: “هل تستطيع الساقية أن تقدّم النهر؟ وهل يستطيع النهر أن يقدّم البحر؟ (...) لقد قرأت شعرك وأنا تلميذ في الابتدائية، وقرأته وأنا طالب في الإعدادية، وقرأته وأنا أدرس في الثانوية، وصار بيني وبينه ألفة العمر، ومن هنا تصورت في فترة من الفترات أنني أعرّف الناس به، ثم اتضح لي وأنا أعيد قراءته من جديد أن الأشياء التي نألفها لا نعرفها كما ينبغي”. ربما كان أهم ما يحزن في مسيرة البردوني هو أنه لم يحظ كغيره بذلك الاهتمام النقدي الموضوعي لأعماله وإنجازاته على مدار عشرات السنين من الجهد والبذل ومحاولة التغيير في واقع القصيدة العربية، خاصة تلك التي عنيت بشؤون السياسة. وما يحزن أكثر أن معظم تلك الإبداعات من الدواوين كانت تصل إلى أيدي القراء من خلال جهده الشخصي في الطباعة والنشر ودفع التكاليف من جيبه الخاص. لقد كان مساهماً بقوة في تغيير ذائقة القارئ، ضمن إطار تعزيز الثقافة الجماهيرية بعيداً عن الكسب والشهرة والنجومية. كتب عنه وزير الثقافة اليمني السابق خالد الرويشان يقول: “كان عبدالله البردوني محباً لوطنه، متشرباً معاناة شعبه، ولذلك كان يدفع من قوته الخاص أثمان دواوينه حتى يتم بيعها للجمهور بأقل من سعر التكلفة، وفي أحيان كثيرة بأثمان زهيدة لا تذكر، وأحسب أن نواصي الشوارع وتقاطعاتها بصنعاء، شهدت ولسنوات طوال هذه الظاهرة، إنها ظاهرة فريدة لشاعر كبير، كل أبناء اليمن يعرفونها، أكثر أطفال وفتيان وفقراء العاصمة عاش معظمهم على ريع هذه الكتب وبيعها في الشوارع وتقاطع إشاراتها”.

البردوني المولود عام 1929 في قرية البردون اليمنية، والذي أصيب بالعمى وهو في الخامسة من عمرة إثر إصابته بمرض الجدري، أصدر مجموعة مهمة من الدواوين الشعرية منها: من أرض بلقيس 1961، في طريق الفجر 1967، لعيني أم بلقيس 1973، زمان بلا نوعية 1979، ترجمة رملية لأعراس الغبار 1983، كائنات الشوق الآخر 1986، رواء المصابيح 1989.

كان البردوني شاعراً مختلفاً، أصدر لنا قصيدة عفوية يميزها “فن النقاش” باعتبارها إحدى مميزات القصيدة الحديثة، وإذا ما أضيف إلى هذا العنصر فن الحوار ووضوحه في الاستخدام بما يدعم خروج القصيدة الجديدة من الأفكار المجردة العامة إلى التجارب التي تتجسد في نماذج وشخصيات، ولعل هذه المرثاة الجنائزية التي صاغها في قصيدة معبّرة بعنوان “يا صديقي شعر وبكاء” خير ما يعبّر عن هواجسه تجاه الحياة والموت:

كيف أروي يا صديقي

هل ترى أنني أزجي

إلى الموتى كسادي

هاهنا مسراك

يلقي وحشتي

وصدى نجواك

ماذا تنتوي؟ أسأل القبر

اينسيك افتقادي

إنني يا ابن أبي متحد

بثرى مثواك

هل ترضى اتحادي؟

عانى البردوني الكثير من الهموم والآلام والأوجاع، ونظم شعراً مستفيضاً في شتى شؤون الشعر، وقدّم للقصيدة العربية تجليات تستحق المديح والوقوف عندها بعناية تحفظ لهذا اليمني الذي احتفظ لنفسه بالسيادة والعذوبة حتى وهو يلقي شعره البكائي الذي ينمّ عن حاله وظروف معيشته، ومن ذلك ما صاغه باقتدار في إحدى جواهره الشعرية التي يناظر بها الشاعر العربي القديم أبي تمام (ابن الموصل حبيب بن أوس الطائي) ويقول فيها محمّلاً إياها ثنائية القبح والجمال وغنائية الوصف والوقوف على الأطلال:

تنسى الرؤوس العوالي نار نخوتها

إذا امتطاها إلى أسياده الذنب

حبيب وافيت من صنعاء يحملني

نسر وخلف ضلوعي يلهث العرب

ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي

مليحة عاشقاها السّل والجرب

ماتت بصندوق وضّاح بلا ثمن

ولم يمت في حشاها العشق والطرب

كانت تراقب صبح البعث فانبعثت

في الحلم ثم ارتمت تغفو وترتقب

لكنها رغم بخل الغيث ما برحت

حبلى وفي بطنها قحطان أو كرب

وفي أسى مقلتيها يغتلي يمن

ثان كحلم الصبا ينأى ويقترب

حبيب تسأل عن حالي وكيف

أنا شبابه في شفاه الريح تنتحب

كانت بلادك رحلا، ظهر ناجيه

أما بلادي فلا ظهر ولا غبب

أرعيت كل جديب لحم راحلة

كانت رعته وماء الروض ينسكب

ويبدو أن الشاعر أبي تمام كان يشكّل للبردوني هاجساً كبيراً، فهو لا يقتدي به أسلوباً ومنهجاً، لكنه يناوره ربما على شاكلة (المشاكاة) في قصائد الشعر النبطي المشتهرة جداً في ساحة الشعر الخليجي، ومن ذلك ما نظمه تحت عنوان “أبو تمام وعروبة اليوم” ونظمها عام 1971، ضمن قصائد ديوانه “لعيني أم بلقيس”، والقصيدة في جوهرها مجاراة لبائية أبي تمام (السيف أصدق أنباء من الكتب) التي قالها في فتح عمورية، ويسقط البردوني في قصيدته هذه وهي استكمال لما جاء في الأبيات السابقة على حال الأمة العربية وما وصلت إليه ويقول:

ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذب

وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب

بيض الصفائح أهدى حين تحملها

ايد إذا غلبت يعلو بها الغلب

أدهى من الجهل علم يطمئن إلى

أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا

ماذا جرى أبا تمام تسألني

عفوا سأروي ولا تسأل عن السبب

يدمي السؤال حياء حين تسأله

كيف احتفت بالعدا (حيفا) أو (النقب)

من ذا يلبّي؟ أما غصرار معتصم

كلا وأخزى من (الأفشين) ما صلبوا

اليوم صارت علوج (الروم) فاتحة

وموطن العرب المسلوب والسلب

وكما يتضح من السياق، فإن الشاعر لا يتخلى عن مركزيته في السيطرة على المشهد الشعري، إنه يكتب بروحه هو، روح مفعمة بما يحيط به، يعطينا البردوني بيتاً شعرياً مكثفاً ومقتصداً في مفرداته، لكنه مزدحم في معانيه ودلالاته، دون أن يكون هناك انغلاق موسيقي، خاصة في المعاني المعبّرة عن روح وطنية صافية كما نلحظ ذلك في قصيدته الرائعة “الغزو من الداخل”، وفيها يستخدم أسلوب التداعي الحر كأن يتكئ على معنى أو مفردة ويقيم التداعي حولها بحيث تصبح العبارة هي المرتكز الرئيس للقصيدة، وهنا يقول مفعماً بالأسى على حال وطنه:

فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

وهل تدرين صنعاء من المستعمر السّري

غزاة لا أشاهدهم وسيف الغزو في صدري

فقد يأتون تبغا في سجائر لونها يغري

وفي صدقات وحشي يؤنس وجهه الصخري

وفي أهداب أنثى، في مناديل الهوى القهري

وفي سروال أستاذ وتحت عمامة المقري

وفي أقراص منع الحمل، في أنبوبة الحبر

يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن

جنوبيون في (صنعا) شماليون في (عدن)

كالأعمام والأخوال في الإصرار والوهن

خطى (أكتوبر) انقلبت حزيرانية الكفن

يبقى البردوني أحد رواد الثقافة العربية، فقد سجّلت قصائده جرأة وثورية ضد الجهل والفساد وأشكال الديكتاتورية كافة، كان له أسلوب ناري ساخر، ترشق مفرداته أولئك الذين خسروا أمتهم ووطنهم، ولهذا تجلّت معركته على الدوام ضدهم، ومن أجل كرامة لوطنه. لقد كانت صفات العمى والقيد والجرح مسكونة في داخله، شعره فيه تجديد وتجاوز للتقليدي المألوف، كما كان يتمتع بصوت حزين ممتلئ بالشجن والأسى، ولهذا عرفته المهرجانات الثقافية العربية معرفة أثيرة وكان له جمهوره وحضوره الشعبي، وقد ظل وفياً لوطنه وأمته العربية حتى توقف قلبه في العاصمة الأردنية عمّان وسكت صوت يمني عربي عظيم. ترى لو عاد البردوني إلى الحياة من جديد، فهل سيجد آذاناً صاغية لما كان يحذر منه على الدوام خطر القبلية والنزاعات الداخلية؟.

عن الاتحاد الاماراتية



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,460,758