عـــــــاجل:      وكالة : مجلس النواب الأردني يوافق على إعادة دراسة اتفاقيات مع إسرائيل

د. مخلص الصيادي لـ (البديل نت): واشنطن والرياض تمنعان تصفية النظام القديم في اليمن (3-4)

البديل نت - خاص
2012-07-10 | منذ 5 سنة

في حوار موسع يتحدث المفكر العربي الدكتور مخلص الصيادي لموقع (البديل نت) عن جملة من القضايا والأحداث التي يعيشها الوطن العربي. البديل نت

ويشخص الدكتور الصيادي حالة الربيع العربي وحيرة المواطن العربي بين احتياجاته للحرية والفوضى التي تعم الأوطان بعد اندلاع الثورات الشعبية، كما يعرج للحديث عن استغلال القوى الخارجية للثورات العربية بالتدخل المباشر سياسيا وعسكريا وعلى مختلف الأصعدة.

قوميا يتحدث د. الصيادي عن الحركة القومية العربية وانتقال الحركة الناصرية من الممارسة إلى التنظير كما يحلل برؤية ثاقبة ظاهرة حمدين صباحي المرشح السابق للانتخابات الرئاسية المصرية.

وفي الشأن اليمني يتناول المفكر الصيادي الحالة اليمنية ومالات الثورة الشعبية والتدخلات السعودية والأمريكية للحفاظ على النظام القديم وإعادة إنتاجه بإشكال جديدة، إلى جانب تناول عديد قضايا في أربع حلقات متتالية وفيما يلي الحلقة الثالثة:
حاوره - خليفة المفلحي: 

في الحلقتين الأولى والثانية استعرضنا طبيعة الوضع العربي في ظل هزيمة الثورة، وقلنا إن ثورة الشارع العربي كانت أمراً منتظراً، لكن كل ما ينتمي الى ظروف انفجار الثورة عصي على إدراك الجميع: القوى السياسية داخل كل بلد عربي حاكمة كانت أم معارضة، والقوى الخارجية ومؤسساتها السياسية والأمنية والبحثية.

وثبتا رؤيتنا لمعنى الربيع العربي، وقلنا إن الربيع الحقيقي تجسد في عودة الناس للإمساك بزمام أمورها، وأمور حاضرها ومستقبلها، وذلك من خلال عودتها الى السياسية، وتمسكها بالطريق الديمقراطي لتحقيق أهدافها،

وفي هذه الحلقة الثالثة نخصص حديثنا عن علاقة الخارج بالربيع العربي، التدخل، ومحاولات اختطاف الحراك الثوري وحرفه عن مساره، ومآل هذا الوضع.

المفاجأة والاستدراك

لاشك أن انطلاق حركة الربيع العربي كان مفاجئا للجميع، ولا أدل على ذلك من أن وزيرة الداخلية الفرنسية آنذاك "ميشال اليو ماري" بدأت تبحث مع نظيرها في تونس ما يحتاجه، وما يمكن أن تقدمه فرنسا لقمع هذا الحراك الثوري، ولم تُجد هذه المحادثات شيئا لأن الحسم في الحالة التونسية كان سريعا، لكن انكشاف هذا التحرك الفرنسي كان فاضحا وحاسما في تحديد موقع الخارج مما بدأ يحدث في الوضع العربي، وتكرر الأمر نفسه في مواجهة الحراك الشعبي في مصر حين بدت الدبلوماسية الأمريكية في حالة من التخبط لا تدري ما تفعل، وتدافع وجوه الكونغرس الى القاهرة للتعرف على ما يجري وللقاء جموع الثائرين علهم يستطيعون أن يتعرفوا على ما هو قادم في الحياة السياسية المصرية، وبدت تل ابيب في حالة من الفزع خصوصا وأنها لا تدري السبيل لحماية "كنزها الثمين"، والحفاظ على وجوده.

لكن ككل عمل رشيد إذا فاته أمر يعمل على استدراكه ومحاولة السيطرة على ما يليه، من هنا بدأت محاولات العواصم الغربية للتدخل والسيطرة على مجريات الربيع العربي،

وشهدت مختلف بلدان الربيع العربي مظاهر مختلفة من هذا التدخل:

** منه ما جاء على شكل نصائح ملزمة لمواجهة رياح هذا الربيع، بالاصلاحات، والوعود، وبمحاولة الرشوة المادية، وقد رأينا هذا في مختلف الممالك العربية، وكان بعض هذه الممالك ذكيا وفاعلا فيما قام به وحققه، ونشير هنا الى سلطنة عمان والمغرب، وتحرك بعضها بعقلية العشيرة وعقلية المناورة لإطفاء الحرائق وأبلغ مثال على ذلك المملكة العربية السعودية،  وقدمت الطريقة التي اتبعتها قيادة البحرين لمواجهة الحراك الشعبي هناك مثالا  ثالثا للمزاوجة بين استنهاض الطائفية والقمع باستخدام القوى المتوفرة داخليا وبالاستعانة بالقوات السعودية.

** ومنها ماجاء على شكل محاولة اعادة انتاج النظام نفسه لكن في اطر واشكال جديدة، فحين تستطيع الحركة الشعبية أن تتخلص من رأس النظام ومن حوله لا يعود مفيدا النظر الى الوراء، وإنما يصبح المطلوب استيعاب ما هو آت، إذ ليس حسني مبارك، أو علي عبد الله صالح، أو زين العابدين بن علي هو مبتغى الغرب وأنظمته، وإنما ما التزم به هؤلاء من رؤى ومصالح تحقق للنظام الغربي ما يريد، وحين يمضي هؤلاء فإن السعي يكون لتأمين استمرار هذه الرؤى والمصالح، والتزام القوى القادمة بها.

إن ما حدث ويحدث في مصر واليمن هو من هذا القبيل، تدخل للقوى الغربية في الشأن الداخلي، في محاولة لتعطيل حركة التغيير، وفي اجهاض فاعلية الديموقراطية وتحويلها الى مجرد شكل.

إن مشهد ترشيح الفريق أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة المصرية، ومنافسته عليها في جولة الاعادة هو شكل من اشكال اعادة انتاج النظام القديم من حيث: القوى الاجتماعية، والسياسات الداخلية، والالتزامات الخارجية.

وما آل اليه الوضع في اليمن من عرقلة للتحول عن نظام علي عبد الله صالح، هو من هذا القبيل، لكن برعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية، وبارتباط مباشر مع الولايات المتحدة بدعوى محاربة القاعدة، إن واشنطن والرياض تمنعان تصفية النظام القديم في اليمن، وتعملان وبدعم مباشر من قوى يمنية على إعادة توليد النظام السابق، بشكل أقل غلظة واستفزازا، وبوجوه أكثر قبولا ونعومة.

وإذ يسجل لقوى الحراك الثوري في هذا البلد و"للحكمة اليمانية" قدرتها المبدعة في الحفاظ على سلمية الثورة رغم توفر السلاح في يد كل يمني، وقدرتها على تحييد أو تعطيل القوى العسكرية الداعمة للرئيس المخلوع من خلال ما دعي بتوازن الرعب الناجم عن انشقاق الجيش، فإن المستهدف الآن تعطيل الحراك الشعبي، وتحييده،  لكي تتمكن القوى القديمة الجديدة من الحفاظ على الوظيفة ذاتها التي كانت لنظام صالح.

** ومنها ما جاء بالتدخل العسكري المباشر والمثال البارز على ذلك متجسد في ليبيا، وهو تدخل تحقق تحت غطاء شكلي عربي، ومثال ليبيا هنا يستحق وقفة مدققة لأنه يقدم نموذجا تستحق الدراسة:

1ـ نظام مستبد متأله، فاسد، وصل في عتوه وجبروته مالا يمكن احتماله.

2ـ وقوى شعبية تحركت فيها رياح الربيع العربي تريد الخلاص من هذا النظام.

3ـ وبلد يختزن ثروة نفطية هائلة، قريبة، وعالية الجودة.

4ـ وايضا بلد يملك موقعا استراتيجيا على البحر المتوسط لا نظير له.

5ـ ونظام عربي وغربي لا يمانع في التخلص من هذا النظام الذي أتعبه من كثرة تقلبه، وتألهه، وتصرفاته التي يصعب التنبؤ بها.

إن دموية النظام الليبي في مواجهة التحرك الشعبي، وصلافته في التعامل مع الأحداث، وقلة صبر الثوار وخشيتهم من الفظائع التي يمكن أن يرتكبها النظام خلال استمرار هذه المواجهة، والإغواء العربي والغربي في تقديم المساعدة العسكرية بدعوى حماية المدنيين، كل هذا فتح ثغرة في الحراك الشعبي الليبي سمح بتدخل حلف الناتو تحت سقف شرعية دولية مزعومة.

وحينما بدأ الناتو عمله في ليبيا، كانت الثورة الشعبية قد تلوثت، ثم خطفت، وصار الصوت الأعلى لأولئك الذين جاءت بهم حجافل الناتو من قيادات ووجوه عاشت خارج ليبيا، وكانت تهيئ لهذه اللحظة، ثم ظهرت بعد ذلك تلك القيادات الميدانية التي تعاملت مع التدخل الخارجي من زاوية الشرعنة الدينية التي وفرتها فتاوى صدرت عن مراجع تعتمدها هذه القوى.

لقد أجهض التدخل العسكري للناتو عملية  ولادة الربيع العربي في ليبيا، وأصبحنا أمام بلد يخضع بالكامل لإرادة دول الناتو، وفي المقدمة منها الولايات المتحدة، وبريطانيا وفرنسا، وايطاليا.

وإذا كان الثوار قد تخوفوا بداية المواجهة مع نظام القذافي من ارتفاع عدد الضحايا والدمار فيما لو بقي الصراع بين الطرفين في اطاره الداخلي الصرف، فإن تدخل الناتو لم يؤد الى تقليل الخسائر وإنما أسفر عن ارتفاع شديد من عدد الضحايا وفي حجم الدمار، إذ قدرت بعض المصادر عدد القتلى الناجم عن تدخل الناتو ما بين خمسين ومئة الف، وذكرت الغارديان البريطانية على صفحتها الألكترونية في عددها في السادس عشر من مايو 2012 أن عدد الضحايا المدنيين نتيجة العمليات العسكرية للناتو بعد تدخله في مارس 2011 تجاوز ثلاثين الف قتيل في حين كان عدد قتلى الصراع بين نظام القذافي والثورة الشعبية قبل تدخل الناتو ما بين الف والفي قتيل.

كذلك فإن تدخل الناتو وضع ليبيا على بداية طريق التقسيم، بدواعي الجهوية، والعرقية، وهذا بالتحديد مخطط واشنطن في المنطقة، تفكيك الدول وإعادة بنائها على قواعد تقسيم جديدة عرقية وطائفية وجهوية .. الخ، وربط هذه التقسيمات الجديدة بمصالح مباشرة معها. والنتيجة: استمرار السيطرة على هذا البلد، وتعطيل امكانية التغيير الحقيقي فيه.

إن الحديث عن التدخل الخارجي وأشكاله، ابتداء من العمل على إعادة انتاج النظام السابق نفسه، وصولا الى خطف الثورة أو العمل على اغتيالها، يجب أن لا يخفي عن أنظارنا عددا من الحقائق:

1ـ الحقيقة الأولى: أن الدول الغربية، ومؤسساتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية، ليست هيئات نفع عام، وليست جمعيات خيرية، وهي لا تتحرك بدواعي انسانية وانتصارا لقيم عامة تواطأت عليها البشرية، وإنما هي أدوات لتحقيق سيطرة هذه الدول، وفي أي تحرك لها فأول ما يهمها حسابات الربح والخسارة، وتحاول أن تجعل نسب المخاطرة في تحركها محدودة، لأنها في النهاية مسؤولة أمام الناخب المحلي، وأمام أصحاب المصالح والشركات التي تمثلها، وستدفع ثمن أي خطأ قد ترتكبه.

2ـ الحقيقة الثانية: أن أحدا لا يستطيع أن يمنع الخارج من التدخل في الوضع الداخلي، وإنما نستطيع أن نحد من هذا التدخل ونضيق حيزه، ويقع على عاتق قوى المجتمع الواحد أن تحقق ذلك، وتقع المسؤولية الأولى والأهم في توليد الظروف والبيئة التي تسمح بتدخل أو انزواء الخارج على عاتق السلطات القائمة لأنها هي صاحبة الفعل الأقوى، وهي التي تملك زمام الأمور، وهي التي تسيطر على مؤسسات الدولة وتوجهها، وهي التي تملك ما يدعى بالشرعية القانونية، إن ما نقوله هنا لا يعفي القوى الأخرى في المجتمع، قوى المعارضة وما يحيط بها من مؤسسات المجتمع المدني من المسؤولية، لكن لابد من تأكيد أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق قوى السلطة.

إن دموية نظام القذافي، ورفضه سماع صوت الشارع،وصوت الأصدقاء الناصحين، وتمسكه بممارسة التهديد والقتل لآخر لحظة، واستهتاره بكل الأطراف الخارجية الصديقة وغير الصديقة، هو ما خلق البيئة التي سمحت بالتدخل الأجنبي.

المعارضة تتحمل طرفا مما حدث لاشك في ذلك، لكن نظام القذافي هو الأكثر مسؤولية في هذا الجانب، خصوصا وأن مطالب الحراك الشعبي في بدايته كانت مطالب محدودة، وبسيطة، وكانت الاستجابة لها تفتح أفقا ديموقراطيا في ليبيا، وتجنب هذا البلد ما أصابه، وتجنب القذافي ونظامه هذا المآل، لكن نظام القذافي كان قد وصل الى مرحلة لايسمع فيها ولايرى.

3ـ الحقيقة الثالثة: أن التدخل العسكري قد حول الصراع داخل ليبيا بين قوى المعارضة والنظام الى صراع دولي، يعكس مصالح ورؤى الدول الكبرى، وعند هذه النقطة بالتحديد لا يعود لقوى الداخل تأثير مهم على مجرى الصراع ولا على مستقبله ومستقبل البلد الذي كان ميدانا له، وتتحول القوى الداخلة الى مجرد أدوات بيد تلك الدول التي دفعت بقواتها وأبنائها لحسم الوضع. وفي المثال الليبي فإن الميليشيات المحلية والجهوية، مثلها مثل القيادات السياسية والتي نصبت على رأس مؤسسات النظام الجديد لا تعدو أن تكون منفذه لمصالح تلك الدول ولاستهدافاتها، ولعل الصراعات التي نشهدها بين الأطراف الداخلية تعتبر على نحو ما عن صراعات القوى المشاركة في العمل العسكري إزاء تقاسم الكعكة الليبية.

 لقد ضاعت إرادة الداخل في خضم التدخل العسكري الخارجي، وصار الحديث عن الديموقراطية، والكرامة، والمساواة، والحرية، ووحدة الوطن، حديث لا يجري بلغة ليبيا العربية الأصيلة، ولا تلبية لاحتياجات المواطن الليبي وتطلعه للمستقبل، وإنما يجري بلغة الناتو ووفق مصالح دوله وتطلعاتها.

4ـ الحقيقة الرابعة: أن طلب التدخل العسكري الخارجي دائما طلب شائن، تعفه نفس المواطن، وتتحسب منه قيادات العمل السياسي، وتخشى من آثاره على وجودها ومنطقها ونظرة الناس لها، لذلك هي تسعى حينما تريد ذلك الى تغطية هذا الطلب بكل ما تستطيع من مبررات، وجرائم النظام القائم مبرر قوي، لكنه في حياتنا العربية غير كاف لتحريك الشارع وجعله يتجاوب مع هذا المطلب، لذا يصبح مهما تقديم الغطاء الشرعي الديني لهذا التدخل.

لقد رأينا هذا في كل مرة طلب فيها تدخل عسكري أجنبي لحسم شأن داخلي في  بلد عربي أو مسلم.

 شرعنة التدخل الخارجي

إن استحضار أوامر الله جل جلاله، والجهاد، ومفاهيم الكفر و الإيمان، والاستدلال من سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم، يصبح ضروريا لجعل هذه المعركة ذات شأن، وللتغطية على طبيعتها المدمرة، ولخلق روح جهادية قادرة على تحقيق الحشد الشعبي اللازم.

لقد رأينا هذا في معركة أفغانستان، وفي المشاركة مع القوات الأمريكية والمتحالفة في حصار العراق أولا ثم في احتلاله، وفي الفتاوى التي صدرت بشأن شرعية طلب تدخل الناتو، وكذلك الفتوى التي صدرت في شرعية طلب التدخل العسكري الأجنبي في سوريا.

الحقيقة الخامسة: أنه في مثل هذه البيئة من الصراع فإن قوى الاسلام السياسي أو معظمها تبدو جاهزة لتقديم الغطاء الديني الشرعي لطلب التدخل الخارجي والتعامل معه، ولايحتاج الأمر هنا الى تقديم أدلة و شواهد، فالفتاوى ما زالت طرية في شرعنة طلب التدخل العسكري الخارجي، وما نريد الوقوف عليه هنا ليس رصد هذه الفتاوى، وإنما محاولة فهم دوافعها، وآليات التفكير التي تسمح بصدورها، وفي اعتقادنا أن هذا هو الأهم والأخطر.

إننا نعتقد أن بنية العقل الديني لهذه الجماعات هي التي تسمح بصدور مثل هذه الفتوى، وهي التي تسمح بتشريع أو تحريم طلب تدخل الخارج، وهي التي تبرر الاتصال بالقوى الخارجية دعما ومشاروة، أو تحرمه، وهذه البنية لا تتصل بالإسلام، وإنما بالفكر الديني الذي يلتزمه هؤلاء، وبالمنهج الذي يعملون من خلاله.

وللحق فإن هذه البنية لا تنحصر بالإسلام السياسي، وإنما تمتد لتكون صفة ملازمة لكل الأحزاب العقدية دينية كانت أو غير دينية، إن الشيوعيين في أكثر مراحل شيوعيتهم صفاء كانوا هكذا، يمكنهم تبرير الشيء وضده في إطار التزامهم، ورؤيتهم لمصالحهم.

إن القضية هنا تكمن في رؤية هذه الجماعات والأحزاب للحقيقة: الحقيقة المطلقة والحقيقة النسبية.

معظم جماعات الاسلام السياسي تعتبر نفسها موئل الحقيقة، وأداة تجسيدها، فالحقيقة، والموقف الاسلامي الصحيح، يدور معها حيث دارت، إذا رأت أن أمرا ما صحيح فهو الأمر الصحيح، وإذا رأت أن موقفا ما منحرف فهو الموقف المنحرف، هي مقياس الحق والعدل والصواب، وهي التجسيد لروح الاسلام كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، حينما تحكم بقتل رجل لسبب ما فحكمها هو حكم الإسلام، وحينما تقرر أن تمد يدها الى جهة ما فهذه مصلحة الاسلام.

إنهم لم يستطيعوا أن يدركوا الفارق بين الدين والفكر الديني، ولا يستطيعون قبول هذا التفريق، ولم يستطيعوا أن يفقهوا معنى مركزيا في الاسلام وهو أن الحق مستقل بذاته، وأن ما نقوم به هو رؤيتنا لهذا الحق، نصيب في هذه الرؤيا أو نخطئ، وأن هذا كان منهج الرسول صلى الله عليه وسلم.

كل هذه الجماعات تقرأ وتعرف وتكرر دائما ما استقر عليه فقهاء الأمة بشأن العلاقة مع الاسلام فكرا ومنهجا:

        "ما أقوله صحيح تحتمل الخطأ، وما يقوله خصمي خطأ يحتمل الصحة"

إن هذا المبدأ العظيم يفتح الباب للتفاعل، وللنقد، وللتقدم، وللقدرة على بناء حضارة، لكن أحدا من هذه القوى لم يستطع أن يتمثل هذا الموقف، أو أن يلتزم هذا المنهج، أو أن يطبق مستلزماته.

وبسبب هذا الخلل الجوهري فإنك نادرا ما تجدي حزبا إسلاميا، وقف ينتقد تاريخه، أو يراجع ممارساته، إن النظرة الناقدة الفاحصة لتاريخ هذه الأحزاب والجماعات مفقود ـ نستثني من ذلك المراجعات التي أجرتها بعض الجماعات الجهادية ـ، ولعل هذا هو السبب نفسه الذي كان يمنع الشيوعيين عن  نقد تاريخهم وفكرهم، وحينما فعلوا ذلك سقطت القدسية التي أعطوها لأنفسهم ولهذا الفكر، وسقطت معها وحدتهم وتماسكهم.

هذه القضية المركزية التي أتينا عليها إنما قصدنا منها أن نفهم أكثر دوافع سلوك هذه القوى فيما نحن نتحدث عنه، أي دوافع سلوك هذه القوى في الربيع العربي، وفهم هذه الدوافع يوفر لنا مقدمة لفهم ما قاموا به، وما يمكن أن يقوموا به مستقبلا.

الإسلام السياسي

الحقيقة السادسة: ان دخول قوى الاسلام السياسي بهذه العقلية الى ساحة الصراع، و بالامكانات المتوفرة لها، وبقوى الدعم الخارجي التي تتحصل عليها، تعمل على حرف اتجاه الصراع، من صراع ضد الاستبداد والفساد والديكتاتورية، والطائفية، الى صراع بين الكفر والايمان.

القضية هنا شديدة الخطورة، فهي بالإضافة الى أنها تزًور دوافع التحرك الشعبي، فإنها تعطي قدسية لعمليات القتل التي تستهدف الخصم، وتفتح المجال لكل اشكال الصراع الطائفي والمذهبي.

الناس لم يثوروا على بن علي أو القذافي أو مبارك أو على عبد الله صالح أو بشار الأسد لأن هؤلاء كفرة، وإنما لأنهم ظلمة فاسدون مستبدون و قتلة، ويشترك مع هؤلاء في هذه الصفات الكثير من النظم والقيادات العربية.

إن إدارة الصراع على أساس الكفر والإيمان خطأ جسيم لا يعبر عن حقيقة الربيع العربي، ولا عن دوافعه، وفي الوقت نفسه يعطي السلطات القائمة دعما مباشرا من جموع المواطنين الذين يختلفون بالدين أو المذهب عن غالبية الأمة، أي أن من شأن إدارة على هذا النحو أن تزيد الصراع عمقا وامتدادا، وأن تعطي الأنظمة القائمة الفاجرة عوامل قوة إضافة، وأن تمهد الطريق لانقسامات داخل جسد الوطن تصعب من امكانية جسرها أو تجاوزها مستقبلا،

إن هذا المنطق الذي تعتمده قوى الاسلام السياسي من أسباب ظاهرة امتناع الأقليات العرقية والدينية والمذهبية عن الانخراط في الحراك الشعبي في سوريا إن لم نقل وقوفها الى جانب نظام بشار الأسد، وهذا المنطق هو واحد من أسباب تراجع تأثير القوى القومية والوطنية بين هذه القوى. وواحد من أسباب إطالة أمد الصراع وارتفاع تكلفته.

كذلك فإن وقوف أغلبية من أقباط مصر وراء أحمد شفيق أسهم مساهمة حقيقة في حصوله على المركز الثاني في جولة الانتخابات الأولى ويعطيه حظوظا كبيرة في جولة الحسم.

وأختم هذه الحلقة بالاعتراف بأن هناك خطرا حقيقيا على الربيع العربي، وإذا كان الربيع الليبي قد تم اختطافه وحرفه، فإن العمل جار على تحقيق الهدف نفسه في غير ليبيا، في سوريا، في مصر، وفي اليمن.

كما أختمها بالتعبير عن تقديري بأن موجبات الربيع العربي تفرض انتصاره، والتضحيات الشعبية، واليقظة التي وسمت التحرك الشعبي تعزز هذا التقدير، لكن بكل الأحوال فإن ما يجب أن يكون راسخا في اعتقادنا أن أي ثورة يمكن أن تهزم، وأن  هزيمة أي ثورة خير ألف مرة من انحرافها أو خطفها، ذلك أن هزيمة الثورة يدفع بها وبقيمها ورموزها الى عمق الوعي الجمعي للأمة، لتتحول بالتالي الى واحد من أهم عوامل الدفع بالنهوض ثانية وفي أي لحظة، لكن انحراف الثورة وخطفها لا يولد الى اليأس و الإحباط، ولا يثمر إلا التشتت والضياع.

 



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,469,796