رد ناصري على طروحات قومية لعزمي بشارة

البديل بقلم لأستاذ كمال شاتيلا
2010-05-06 | منذ 7 سنة
حسب معلوماتنا، فإن الدكتور عزمي بشارة يحب أن يُوصف بالقومي العربي وأحياناً بالناصري، نسبة الى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. وهاتان الصفتان، إضافة الى مواقفه المشهودة ضد الاحتلال الاسرائيلي، أوجدت له رصيداً شعبياً عربياً جعلت الناس تهتم بأطروحاته وتتجاوز الى حد بعيد كونه كان عضواً في الكنيست الاسرائيلي، بغض النظر عن التبرير بضرورات العمل للمحافظة على هوية فلسطينيي الـ 48 العربية.
الدكتور بشارة كان ضيف تلفزيون الجديد ضمن تقرير في نشرة أخبار مساء 1 آب 2008، حيث تحدث عن التجربة الناصرية، ومما قاله لا فضّ فوه: "هناك جمهور ناصري ولم يكن هناك تيار ناصري.. عبد الناصر ليس مفكراً ليكون هناك مشروع ناصري.. عبد الناصر كان قائداً تحررياً وكانت الناس تستجيب له.. المشروع القومي يمكن تجديده بأخذ الديمقراطية من الليبرالية وأخذ العدالة الاجتماعية من الماركسية".
فأي ناصرية هذه التي يتحدث بها الدكتور عزمي بشارة الذي إختارهمركز دراسات الوحدة العربية ليسلّم بنفسه وشاح جائزة جمال عبد الناصر الى الرئيس سليم الحص على قاعدة إنطباع عام أن الرجل "مناضل قومي ناصري!"
نحن لا نود التقليل من أهمية الدكتور عزمي بشارة في مقارعة الاحتلال، لكن أن يتخذ لنفسه صفة القاضي والحكم على التجربة الناصرية بهذا التبسيط وهذه السطحية، فهو أمر يستحق وقفة مسؤولة لأن ما قاله يعبّر عن فجوات سلبية في سياق فكره السياسي العام.
أولاً: عندما قام الرئيس  جمال عبد الناصر بثورته على أساس المبادىء الستة وفلسفة الثورة التي أوضحت الموقع الاستراتيجي لمصر في العالم، كانت الصفة التي إكتسبها هي القائد الوطني القومي التحرري، لأنه واجه العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وحقق الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وهزم الأحلاف الاستعمارية ودعا للوحدة العربية وطبق العدل الاجتماعي في مصر. ولكن حينما طرح عبد الناصر الميثاق الوطني عام 1962 بما تضمنه من أفكار ومضامين تشمل الأوضاع السياسية والاجتماعية والاستراتيجية، وما صاحب الميثاق من مناقشات مفتوحة لعبد الناصر على إمتداد شهر في مصر والعالم العربي، فإن ذلك أبرز مدى العمق الفكري لعبد الناصر وأكسبه صفة المفكر خاصة إذا قرأنا أحاديث وخطباً له في هذا المجال.
فإذا كان السيد عزمي بشارة، كمواطن، لا يعلم ذلك كله ولا يعلم مضامين المشروع الوحدوي العربي المتقدم الذي طرحه عبد الناصر، فإننا لا نؤاخذه، لكن نلومه بصفته "مفكراً" لأنه تسرّع بتجريد صفة المفكر عن عبد الناصر. أما اذا كان السيد بشارة يعتقد أن المطلوب من عبد الناصر لكي يكون مفكراً أن يطرح نظرية فلسفية في الوجود، فهذا لا يدخل عندنا كعرب في الضرورة لمنح صفة المفكر على هذا الاساس. فالوجود الانساني وفلسفته مسألة دينية، أما حاجة الأمة الى رؤية متكاملة تطرح حلولاً عميقة لمشاكلها وإستراتيجية عملية تنقلها من التخلف الى التقدم، فهذا يدخل في باب الإبداع الفكري، وهو ما قام به جمال عبد الناصر حين أوضح معالم القومية العربية والفوارق بينها وبين الماركسية والفاشية والرأسمالية، وهي مسائل كانت الأشد وضوحاً في فكر عبد الناصر، إلاّ إذا كان هناك مفهوم خاص للمفكر عند عزمي بشارة نود معرفته بطبيعة الحال، مثل الإنشغال بموضوعات الحداثة وما بعد الحداثة!
ولعل ما يميّز عبد الناصر عن كثيرين من القيادات العربية، أن بعضهم كان مفكراً وليس قائداً، أو قائداً وليس مفكراً، لكن عبد الناصر كان قائداً ومفكراً في آن معاً، غير أن مشكلته كانت في بناء التنظيم، ولو نجح في ذلك ليكون بمستوى فكره، لما شهدنا تلك التراجعات النوعية في مسيرة العمل القومي وفي تجربته بمصر.
ثانياً: أما القول إن الناصرية لم تكن تياراً، فهذا يحتاج أيضاً الى إيضاح من عزمي بشارة، فإذا اتفقنا على أن مقومات التيار تنطلق من أهداف قومية عربية لها قاعدة وقائد وجماهير واسعة فاعلة ضاغطة بإتجاه تحقيق هذه الأهداف، فإن التيار الناصري نجح في إسقاط الإستعمار الأوروبي عن الأرض العربية خلال سنوات من اليمن الجنوبي (بريطانيا) الى الجزائر (فرنسا)، وإستطاع أن يبرز لأول مرّة بعد التحرر من الحقبة العثمانية الاستعمار الاوروبي أنه التيارالأفعل في المنطقة والأشد تأثيراً على الأحداث، في حين أن إتجاهات عقائدية وحزبية يمينية ويسارية أخرى، مع تقديرنا لنضالاتها، كانت مساهماتها في معركة التحرر العربي من الاستعمار الاوروبي وفي التوحيد القومي متواضعة، بل أن بعض من كان في اليسار أو من قوى التطرف الديني تورطوا بمعاداة ثورة يوليو مرّة بتهمة أنها ليست "برولتيارية"، ومرة أخرى أنها ليست إسلامية بالكامل!
ثالثاً: أما كلام الدكتور عزمي بشارة عن تجديد المشروع القومي بضرورة إستعارة الديمقراطية من الليبرالية وبإستعارة العدالة الاجتماعية من الماركسية، فإنه يدّل إما على تجاهل بشارة للفكرة القومية بأبعادها الناصرية، وإما عن معرفة سطحية وللأسف بالتجربة القومية عموماً والناصرية خصوصاً، وحينما يكون الامر كذلك فإن مسألة توصيف بشارة بالمفكر القومي العربي تصبح خطأ والأصح إعتباره مفكراً عربياً مع كل التقدير...
فالناصرية تجربة بدأت عام 1952 بمجموعة أهداف،  لكن في العام 1962 وبعد معارك التحرر وتجربة الوحدة والانفصال وتطبيق الخطط التنموية العملاقة في مصر، تبلور فكر جمال عبد الناصر في الميثاق عام 1962، ولو قرأ السيد بشارة الميثاق لوجد وضوحاً في معالم التجربة الاشتراكية العربية المتميزة عن التجارب الماركسية.
فالماركسية التي يدعو بشارة الى إستعارة العدل الاجتماعي منها، تدعو لحكم طبقة عمال الصناعة في إطار ما يسمى بديكتاتورية الطبقة العاملة، أما الناصرية فتدعو لسلطة قوى الشعب العاملة من عمال وفلاحين وجنود ومهنيين ورأسمالية وطنية، بمعنى آخر إنها دعوة لديمقراطية الشعب ولحكم الأغلبية (ما عدا الاقطاعيين والرأسماليين الأجانب.
وفي حين  جرّدت التجارب الشيوعية الناس من الملكية الخاصة، فإن الناصرية حدّدت مجالات للقطاع العام ومجالات للقطاع الخاص، وفق خطة التنمية الشاملة، فأقرّت بدور الرأسمالية الوطنية في عملية الانتاج والتنمية. وقد تمّ تطبيق ذلك كله في مصر، فتطورت الصناعة والزراعة، وتوسعت إطارات التضامن الاجتماعي على أوسع نطاق، تطبيقاً لمفهوم الحرية الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساواة في المواطنة..
فحين يطالب بشارة باستعارة العدالة الإجتماعية من الماركسية، فإنه يكون بذلك بعيداً جداً كباحث عن معرفة ماهية الناصرية في النظرية والتطبيق.
أما مطالبته باستعارة الديمقراطية من الليبرالية للمشروع القومي، فإننا نقول له أن المرحلة الأولى للتجربة الناصرية شهدت تعددية فئوية (وهي مطلب ديمقراطي مشروع) متمثلة بفكرة تحالف قوى الشعب العاملة، أي تعددية الطبقات الاجتماعية في إطار تنظيم سياسي إسمه الاتحاد الاشتراكي العربي لم يعتبره عبد الناصر حزباً (بمعنى تعبير الحزب عن طبقة ما) بل تحالفاً شعبياً، وإن كانت إدارته مركزية. ويقول رفاق عبد الناصر ومن بينهم السيد سامي شرف أن الرئيس الراحل كان يخطط لإطلاق تعددية سياسية خارج الاتحاد الاشتراكي، بعد أن تتم عملية إزالة آثار عدوان 67.
إذاً لم تكتمل التجربة الناصرية من الناحية الديمقراطية خلال حياة عبد الناصر وهذه حقيقة.
خلال مناسبة إحياء ذكرى ميلاد الرئيس جمال عبد الناصر عام  2003، وبدعوة من رئيس لجنة التضامن المصري أحمد حمروش، ألقى رئيس المؤتمر الشعبي اللبناني الأخ كمال شاتيلا محاضرة بعنوان "نحو مشروع متجدد للوحدة العربية"، كنا نود لو قرأه ودرسه السيد عزمي بشارة لأن هذا الطرح وجد استجابة واسعة من مفكرين عروبيين كثر وبخاصة من جانب المجددين في الفكر القومي العربي. تقول أبرز نقاط المحاضرة: "انه من أسباب تعثر المشروع الوحدوي أن بعض دعاته طرحوا الوحدة بمضمون ماركسي وآخرون طرحوا فكرة حكم الحزب الواحد لدولة الوحدة، وبعض دعاة الوحدة آمنوا بفكرة الضم القسري وبمضمون اندماجي لدولة الوحدة.. إن إلصاق كل هذه الصفات بالدعوة الوحدوية أساء للوحدة وأبعد الناس عن هذه المضامين، وإن كان لم يبعدهم عن مطلب الوحدة العربية ذاته".
وللتأكيد على ديمقراطية المشروع الوحدوي، حصل إستفتاء حقيقي برقابة دولية للشعبين في مصر وسوريا سنة 1958 على دولة الوحدة، فقامت الجمهورية العربية المتحدة بإرادة شعبية عارمة ولم تقم بالضم القسري. ونص الميثاق الوطني الناصري 1962 على وجوب الاجماع لقيام أي وحدة، مشترطاً تحقيق الوحدة الوطنية أولاً.
واليوم فإن تجديد المشروع الوحدوي يتطلب أن يكون بمضمون شوروي ديمقراطي، فلا ديكتاتورية حزبية من أي طرف لدولة الوحدة بل تعددية سياسية وحريات عامة وحقوق إنسان وخطط اقتصادية تنموية حيث تقوم الدولة بمشاريع استراتيجية يشارك بها القطاع الخاص الذي يتكامل دوره مع القطاع العام، ضمن مظلّة اجتماعية واسعة لكل العاملين تشمل حقوق العمل والسكن والصحة والتعليم، لتوفير حياة حرة كريمة للناس بدون تمييز وفق مفهوم بناء مجتمع الكفاية والعدالة.
والغريب ان السيد عزمي بشارة لا يعرف أن الناصرية طرحت مفهوماً متكاملاً للديمقراطية، فالديمقراطية السياسية بدون ديمقراطية اجتماعية هي تسلّط طبقي من فئة على كل المجتمع وحريات شكلية للناس. وبينما تشكل الديمقراطية الاجتماعية، حسب المفهوم الماركسي، البديل من الديمقراطية السياسية لأن الحكم هو للحزب البرولتياري الواحد، فإن الناصرية تعتبر ان الديمقراطية وجهان لعملة واحدة، سياسي واجتماعي، وكذلك الامر بالنسبة للحرية فلا حرية للمواطن بدون حرية للوطن من الاستعمار والاستبداد والاحلاف التي تكبل سيادته، ولا حرية للوطن بدون حرية للمواطن، سياسياً وإجتماعياً.
ويمكننا تلخيص تعريف الناصرية، كإضافات لتجديد المشروع الوحدوي العربي، على النحو الآتي:
1 – إيمان ديني يرفض الإلحاد والعصبيات والتطرف، فلا إفراط أو تفريط، واحترام الحريات العامة والحريات الدينية.
2 – إلتزام التكامل بين حرية الوطن وحرية المواطن، وديمقراطية سياسية واجتماعية.
3 – نهوض اقتصادي وتكافؤ فرص وعدالة اجتماعية.
4 – تأكيد على ان الوحدة الوطنية هي أساس الوحدة العربية، وبأن الوحدة العربية تتحقق بالعمل الديمقراطي الحر القائم على الاقتناع وفق منطق "تتكافأ أساليبنا شرفاً مع غاياتنا"، وتقوم الوحدة العربية على التكامل بين الوطنيات، فلا طغيان لوطنية على أخرى بل إحترام خصائص الوطنيات في إطار الكيان القومي العام، بما يجعل الوحدة بمضمون تكاملي وليس إندماجياً.
5 – إستقلال قومي للأمة يرفض كل أنواع التبعية الأجنبية والأحلاف، والتأكيد على المصلحة القومية العربية العليا، وإلتزام مبدأ "نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا" في سياستنا الخارجية وفق معيار قضايانا العادلة في فلسطين وغير فلسطين.
6 – إلتزام قومية المعركة وقومية الحل للصراع العربي الاسرائيلي، واعتبار الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ.
بعد ذلك كله، نأمل من السيد عزمي بشارة أن يقرأ ملياً هذا الرد على مقولاته حول المشروع القومي الناصري، لأنها أحدثت صدمة عندنا وعند كثيرين.. فهناك من يقول إن السيد عزمي بشارة كان ماركسياً فطوّر نفسه باتجاه قومي فصار "يسارياً قومياً"، فإذا كان يحب هذا التوصيف الاندماجي فهو حرّ، لكنه ليس حراً بهذه الصفة ليلقي الدروس في الفكر القومي العربي على النحو الذي فعله. فحينما يتم تناول هذا الفكر من جانبه فعلى الأقل عليه دراسة تاريخ هذا الفكر وماهيته وتجارب العمل القومي، ثم بعد ذلك يصدّر لنا "النصائح".
وختاماً نقول للسيد عزمي بشارة: على الرغم من ملاحظاتنا على مقولاتك المشار إليها أعلاه، فإن أطروحاتك حول المحافظة على عروبة الفلسطينيين مهمة، وآراءك في بنية الكيان الصهيوني مهمة، وبعض آرائك في الإصلاح العربي مهمة. ولهذه الأسباب إتسعت شهرتك، فالموقع الذي تحتله الآن في الساحة الفكرية العربية مهم، لذلك فان ما تقوله يحسب على توجهاتك الأمر الذي يتطلب منك التأني والتعمق أكثر فأكثر، خاصة وإنك بالأساس باحث، والباحث يجب أن يتصف بالموضوعية والعلمية، ونحن نتمنى أن تكون دائماً موضوعياً وعلمياً لتخدم أمتك بشكل أفضل.

-----------------


إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

19,056,034