يوم قابيل’ للشاعر نوري الجراح: الشعر يتحدى

البديل متابعات - القدس العربي
2013-09-29 | منذ 4 سنة

عن دار الصدى، صدر ديوان الشاعر السوري نوري الجراح بعنوان ‘يوم قابيل’، حيث يحتل الحديث عن الموت حيز الديوان كله، ولكنه يوم قابيلليس الموت الميتافيزيقي الطبيعي الذي يتسلل خفية إلى الإنسان فيسلبه الحركة وإرادة البقاء، والذي ينقاد له الإنسان طوعا ويتفهمه ويصالحه في أحيان كثيرة، ولكنه الموت الذي هو على النقيض من ذلك، لأنه ليس مقدرا من سلطة عليا متعالية، بل موت أرضي محايث يقف ضد تيار الحياة لأنه موت يمارسه إنسان ضد إنسان بعدوانية سادية ومازوشية أحيانا، يمارسه ند باتجاه ند من المفروض أن يساعده في ممارسة الحياة وعيشها: إنه الموت مجازا و القتل والإماتة حقيقة.
ينخرط الشاعر شعريا في الصراع السوري ‘جرح الوطن’، ولكن ليس على حساب الاستيطيقا الشعرية الفنية، فقصائده تترفع عن إهدار قيمة الجمال الشعري فلا تنحدر أبدا لتصبح وثائق صحافية وسطحية أو بيانات سياسية جافة، وتلك في الحقيقة من أثقل التحديات التي تعترض الشاعر المنخرط في لهيب الايديولوجيا السياسية أو ‘المثقف العضوي’ بتعبير انطونيو غرامشي، إذ المطلوب منه كي ينقذ شعره من الابتذال والتقريرية تأسيسُ لغة شعرية تسعى نحو التجريد والغموض والالتفاف على الواقع العياني وتجاوزه، لأن مقتل الشعر بين فكي الحزبية المباشرة والممارسة السياسية المكشوفة الخيوط والآليات. ولقد نجح شاعرنا في كل ذلك فاستطاع خلق كتابة شعرية منفلتة من الأسر السياسي والقناعة الإيديولوجية لدرجة أنها تغرق أحيانا في أردية المجاز فتنغلق أسلوبيا وتتسع مضمونيا.
من الإهداء يتبين للقارئ أن الشاعر مفتون بالواقع السوري المشتعل الذي ينوب فيه أزيز الرصاص والقذائف وبراكين اللهب المتطايرة عن صرير الأقلام ونداء العقل والفطرة. جاء في الإهداء: ‘إلى رامي ورفاقه في التراجيديا السورية’. ورغم أن التراجيديا السورية تغري بالسرد والكلام لأن فصولها لا تنتهي، فإن الشاعر لم ينسق وراء غواية السرد والاحتفاء بالتفاصيل والعابر، بل تمكن من أن يقُدَّ من اللغة أسلوبا ملتويا وراقيا ومدججا بالمجاز والكثافة الفنية التي تخفي المضمون أحيانا في جيوب الالتباس. ولا يسعنا إلا أن نعلن انتصار الشاعر في التحدي الذي واجهه برؤية شعرية واعية فرغم أن الشارع السوري مكشوف تملأه قاذفات الموت وشعارات الفولاذ القاتلة ولصوص القنص الغادر وسدنة الدمار الشامل، فإن نصه الشعري غائر ومكنون ومختف ومحجوب بأردية الغموض، وما على النقد سوى تجشم مزيد من العنت والمشقة لاستنطاقه وتذليله وحمله برقة على الاعتراف ببعض أسراره.
يتقلب معجم الموت في رحاب النص معلنا عن حضور أحادي لافتٍ وهيمنة إمبريالية صادمة، وتفوح رائحة الموت فتزكم ذائقات القراء وتهيمن حمرة الدم القانية ليتحول إلى سحابة متصلة تصَدِّر الحمرة إلى كل الأركان (تتكرر لفظة ‘دم’ في القصيدة الأولى الطويلة جدا بعنوان’ الأيام السبعة للوقت’ حوالي 56 مرة) إضافة إلى مرافقاتها ولوازمها مثل: الموت، القبور، الكفن، الجماجم، الجثامين، الجرح، الوجع، الجنود، البنادق، الجنازير…..إن حمرة الموت تسد مسد الشفق الجميل الذي يزين جِيدَ دمشق الفاتنة ويغطي سماء الوطن كله، يقول الشاعر:
دم في المدينة، دم في البليدات الصغيرات في ريف الفقراء دم على ثلم الفلاح، على سكة المحراث يشق جمجمة الغيب، ويقرأ طالع النهار. دم يصرخ في حنجرة مشطورة والغرابُ بجناحين متعاظمين يلطم الشقيق بدم الشقيق. دم على أمنية العابر، على خيبة الهارب،، على عار المتفرج، على صمت المفكر يقلِّب أفكاره ويبلل مقولاته بدم الصبْية، وفي يوم غد آخر يقرأُ الجثامين في ضوء الفلسفة.ص 64
ويبدو أن الموت أو القتل لا يميز بين الضحايا بمعيار الجنس والعمر، فالكل قرابين مقبولة:
السلك في يد المراهق لم يطُلْ / والجَدُّ المقنوص / في عرض الطريق / ينتفض / لا مزيد من الشبان هنا / ضِرس الموت مضغهم وتفلهم إلى ما وراء الهضبة.ص 32.
وفي رحاب الموت / القتل تكثر المشاهد المؤلمة التي تصدم القارئ وتفتح عينيه البريئتين على طاقات الدمار والوحشية التي تكمن في شعور الإنسان ولا شعوره فيصبح بذلك صانعا للقتل عوض البناء وشاربا للدماء عوض صنع ألعاب الأطفال وأكياس القمح والحرير والدفاتر:
عنق الحاصد جرح المحراث..من خاصرة الفرات إلى مغارة الدم في كتف قاسيون / المركبات تفح، وتعبر / المركبات تعوي / الجنازير الضخمة تترك بصماتها على إسفلت القرى / المركبات العمياء ترسل الحمم إلى صور العائلة / الأمهات يهرعن بالصبية من حائط إلى حائط، ويخبئن العذراء في ركام الستائر / جدران الطين تتهاوى وسنابل الصيف تتقصف…ص 30
والقتل كما يصوره الشاعر ليس انتقائيا أو موسميا عن طريق الخطإ والصدفة يظهر حينا ويختفي أحيانا، ولكنه قتل مستمر وممارسة يومية كالهواء لدرجة أن فصوله أصبحت معتادة ومسَلَّما بها:
وصلت شاحنة كانت بالأمس تحمل البطيخ والآن: عائلات نائمة في أكفان حمراء وفلاحون صاروا حفارين، وقبور قبور قبور..ص42.
لا فاصل بين قتل وقتل، والقتل صار كالواجب لا يصح تأجيله أو إيقافه:
قل للرصاص أن يهدأ قليلا / ريثما يكتب الشاعر قصيدته ويفتح نوافذها / ويحمل الآس إلى جسده المسجى. /ريثما تجمع امرأة غسيلها، / ريثما يعود طائر من غابة / وتنزه العين نظرتها في جسد النهار الحي.ص 45-46.
في جو القتل وطقوسه الرهيبة يتحول الخوف من الموت إلى تدجين للموت نفسه، ويتحول حب البقاء إلى كراهية للبقاء نفسه، ويُنظر إلى سدنة القتل على أنهم لصوص، بل إن القاتل لص كبير أو كبير اللصوص لأنه يسرق من الضحية دمها ونفَسها، أي يسرق ما لا يمكن تعويضه:
اللصوص أضرموا النار في بيت أبي / اللصوص سرقوا وجنة أختي ويديْ أخي / اللصوص قتلو أبقاري وقادوا حميري إلى بركة الدم / اللصوص انتهبوا قمر الصيف / وفؤاد المسافر / اللصوص ربطوا الأخوات الصغيرات بأمراس الحقل / وكسروا على حجر البئر جمجمة المراهق / اللصوص هتكوا ستارة الحلم / ومشَّحوا بدم الفجر قمصان نوم البنات. ص49-50.
اللصوص الذين خرجوا من شقٍّ في حائط العدم مزقوا صفحة الهواء وغمروا النوافذ باالموت.ص58.
لا شيء سوى الدم الذي يحضر حضورا لافتا ومثيرا.لنقرأ هذا المقطع الذي تتكرر فيه الكلمة ‘دم’ تكرارا فادحا وفاحشا:
دم على أمس القاتل ويومه وغده / دم على سرير المضاجع زوجتَه غصبا عن فؤادها الكسير / دم في موعد الحب ، دم في اضطراب الخطوة المصطربة / دم في صحون الطعام / دم في بلاغة الصوت / دم في التفاتة الغريب، في هواء النهار / دم في كلمة الحب / في حزن المسافر / في هروب القرى وراء تلال أخرى / في النوافذ مهجورة والشعاع منكسرا.ص 66.
وما يثير سؤالا نقديا حارقا في الحقيقة تلك النهاية التي اختتم الشاعر بها قصيدته الطويلة التي بللها في بركة دم قانية، حيث يقول في السطر الأخير منها على غير المتوقع: ‘أنا لا أكتب قصيدة لكنني أشم القميص لأبصر’، حيث التناص صريح مع الآية الشهيرة من سورة النبي يوسف’ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا’. لقد نثر الشاعر قمصان السورة الثلاثة (قميص الجريمة قميص اللذة قميص الشفاء) فاختار طوال القصيدة قميص الجريمة المخثر بدماء الأبرياء واستدعى في آخر الأمر قميص الشفاء ليجعله رديفا للإبداع الشعري.
ولو أردنا أن نستمر في تتبع خيار التناص الذي لاذ به الشاعر في مواطن متعددة، لقلنا إن الشاعر ينجح أيما نجاح في توظيف الأساطير والرموز الدينية. في قصيدة ‘العاصفة’، يوظف الشاعر أسطورة قابيل أستاذ البشرية في هواية الدماء والذي سن لها سنة القتل بعدما عجز عن متابعة الحوار ومقارعة الحجة بمثيلتها. وبما أن الأستاذ جليل ويملك كل المؤهلات البيداغوجية والديداكتيكية، فقد قدم لنسله وخلَفِه دروسا متقنة في كيفية القتل، وقد قُيِّضَ لقابيل تلاميذُ نُجُبٌ خَبَروا الدرس وبرعوا في تلقيه وتلقينه، فبعد أن استعمل قابيل في قتل الأخ حجرا واستهدف رأسه فقط، فقد اخترع تلاميذُه تقنيات عجيبة في تنفيذ القتل واستهدفوا أماكن أخرى في جغرافة الجسد. وظف الشاعر أسطورة قابيل ليقارن نفسه به، فبينما يضع قابيل مسؤولا عن الظلام والعتمة اللذَيْن تتخبط البشرية فيهما، جعل نفسه النهار أو النور: ‘لكنني النهار الفتى مستلقيا في دمه، الصرخة، الألم المتقهقر وزهره في الشوك’ ص 78. وفي قصيدة ‘أنشودة الراجع من الكهف’ يوظف الشاعر قصة أهل الكهف المعروفة ليضيف تفاصيل أخرى لم يكن لنا بها علم من قبل: فأهل الكهف لم يكن نومهم عميقا ومريحا كما أخبرتنا السورة لأن بالخارج ما يزعجهم ويقض مضاجعهم:
جاءت ريح عاصف والموج بلغ فم الكهف / نهضنا من تراب الأمس / نهضنا بما ملَّكَنا صفير الريح، وما أودع البرق في محاجرنا / نهضنا من عتمة ورأينا في الشقوق الصخرِ نور العاصفة / لكن السماء سكرى، تلقتنا بالزورق.ص80.
وبينما تقول القصة في السورة إن الأصدقاء بعثوا بواحد منهم فقط ونصحوه بمزيد من الحذر، تقول القصيدة:
لننزل بالراحة فارغة وننزل بالدرهم القديم / لنطوف عل من مات غدا..ص80.
وفي قصيدة ‘قال إخوة يوسف’ يتحدث الإخوة فقط خانقين بذلك الأصوات الأخرى (يوسف امرأة العزيز العزيز الأب)، يوجهون خطابا قاسيا أحيانا إلى الأب الصامت ويرمونه بسيل من الأسئلة تستبطن خطاب عتاب له. وما يثير القارئ بلا شك في القصيدة هو أن الإخوة رغم كونهم جماعة يخاطبون أباهم بقولهم ‘يا أبي’ بالجمع بصيغة المفرد. هل يعني هذا أن الإخوة نبذوا كل خلافاتهم لمواجهة ما يرونه تجاوزات من الأب أضرت بسمعتهم ومصالحهم؟ وفي الحقيقة يحتاج التناص في ديوان الشاعر إلى متابعة نقدية أوسع.
يرفض الشاعر الاحتكام إلى خيار القتل في الأراضي السورية الموغلة في الحضارة، وبذلك يدين فعل القتل عموما وفي أي مكان كان، فقاده إحساسه الشعري المرهف إلى النبش في حقيقة القتل ذاته، فاهتدى إلى عنوان صادم ‘يوم قابيل’ تنبعث من مورفولوجيته رائحة الدم، ولكن ما لم يسمح الشاعر بانتهاكه وتدنيسه هو الشعر نفسه، سلاح الكلمة الباذخ، فقد رفض تماما أن ينحدر به إلى مستوى الوثيقة التاريخية الجامدة أو الرطانة السياسية المسفة.

* يوم قابيل، نوري الجراح، دار الصدى، الطبعة الأولى، يونيو 2013



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

19,723,112