محمد حسنين هيكل في حوار الثقافة والفكر

البديل نت:
2012-12-03 | منذ 5 سنة

الوطن كله صار على المحك، الثقافة والفكر تحديداً في مهب الريح، جحافل التضييق والقولبة تزأر في عنف وكراهية، المشهد شديد القتامة والريبة، الأمر إذاً يحتاج إلى (حكيم) نستقطر من كلماته (روشتة الخلاص)، و(نوراً) يتقدمنا لاقتحام ذلك النفق المظلم الذي استطال بأكثر مما يجب، والأمر أيضاً يحتاج إلى (مرجعية) نعود إليها لنبحث لديها عن (بوصلة الاتجاه) الصحيح، ورشد ورشاد التوجه المستنير، وفي هذا الظرف الضاغط، فإن الحكمة والمرجعية يتجسدان في شخص أستاذنا محمد حسنين هيكل، ولأن الأمر أعمق وأصعب من كونه (أزمة سياسة)، ولكنه (أزمة ثقافة وهوية)، فقد حسمنا أمرنا وقررنا أن نتحاور مع الأستاذ حول الثقافة والفكر والأدب والإبداع، وكلها (حبات عقد) إذا ما انتظمت حددت ملامح (الهوية المصرية)، تلك الهوية التي اتسمت دوماً برحابة الفكر، وتعددية الرؤى، وتلاقح الأفكار، والنفور من القولبة. البديل نت

وقد كان الأستاذ - كعادته- سخياً وكريماً حيث استضافنا على مدى جلستين طويلتين - يفصل بينهما أسبوع - واستمع باهتمام إلى كل أسئلتنا، وكان كعادته أيضا، مرتب الفكر، صافي الذهن، واضح الرؤى، صادق التوجه، حيث قدم من خلال إجاباته الكثير والكثير ليس عن الماضي فقط ولكن عن الحاضر والمستقبل . . ونشعر بكثير من الامتنان والتقدير للأستاذ لأنه خصنا بهذا الحوار المهم والذي نزعم أنه قد جاء في وقته تماماً .

حوار: محمد الشافعي - رئيس تحرير مجلة الهلال

 الأستاذ هيكل المثقف والأديب والمفكر، منطقة لم نعتد الولوج إليها كثيراً - بعد أن طغت عليها منطقة الصحافي والسياسي - ولذلك سنركز عليها ولنبدأ ب “موسوعية الإنتاج”، والتي حتماً ولدت من “موسوعية التلقي”، وهذا يعيدنا إلى الجذور والروافد التي كونت ثقافة هيكل، مع الوضع في الاعتبار الحيرة والدهشة لدى الكثيرين من كيفية امتلاك شاب صغير في عمر التاسعة عشرة لتلك الموسوعية في التلقي؟

- الأستاذ: تكمن البداية في كيفية الوصول إلى هذه السن، ولا يكون لهذه السنين إضافات، فالمدة ليس لها قيمة، ولكن القيمة تنشأ بما يوضع في هذه المدة، وكيف تم وضعه، وعن نفسي فقد بدأت بالصدفة في “الإيجيبيشن جازيت”، ثم دخلت تجربة مواكبة وتغطية الحروب، والحرب ذروة الدراما الإنسانية، وقد خدمتني الأحداث في بداية مشواري حيث قمت بتغطية حرب فلسطين كاملة (1948) . ثم ثورة مصدق الأولى في إيران، ثم الحرب الأهلية في البلقان، وكان مقري الرئيس في اليونان، وقبل كل هذا معارك العلمين في الحرب العالمية الثانية حيث عملت مساعداً لمحرر صحفي .

 

 تمخضت هذه التجارب عن كتابك الأول “إيران فوق البركان” والذي صدر عام 1951 .

 

- الأستاذ: هذه التجارب الكبيرة والمهمة تتطلب ممن يذهب إليها بهدف تغطيتها صحفيا أن يعد نفسه إعدادا جيدا، فتجارب الحرب العالمية الثانية، ثم حرب فلسطين، ثم ثورة مصدق وحرب البلقان، وكل التوترات الموجودة في الشرق الأوسط في ذلك الوقت، كل هذا يحتاج إلى إعداد جيد للنفس لكي يذهب الإنسان إلى هذه المهام، وقد ساعد في هذا الإعداد امتلاكي لتجربة تعليم مليئة بالمعرفة المنضبطة، خاصة وأنا أعمل في جورنال إنجليزى أكثر انضباطا من الجرائد المصرية في ذلك الوقت، وهذا جعلني في مواجهة أكثر من تحدٍ، فلا يمكن أن أذهب لتغطية أحداث العلمين في باكورة شبابي، من دون أن أقرأ بما فيه الكفاية، ودون أن أعد نفسي لما سأراه .

 

 السؤال هو كيف لصحافي في مقتبل العمر (19 سنة) أو أكثر قليلاً أن يحصل على ثقة رؤسائه فيدفعوا به كمراسل حربي لتغطية أحداث العلمين؟

 

- الأستاذ : أولى تجاربي كانت في سن العشرين، ولم أذهب إلى العلمين كمراسل كامل، ولكني ذهبت كمساعد مراسل - وفي الصحافة لا تفيد “المجاملة”، ولا يشهد لك إلا ما تستطيع أن تقدمه وتضع عليه اسمك؛ لأن رئيسك في العمل الجاد لن يحابيك أو يجاملك، وفي الإيجيبشن جازيت كان رئيسي إنجليزيا، وكان دائم الإشادة بعملي ونشاطي، وقد أجدت في عمل مساعد المراسل أو مساعد المحرر، فحصلت على ثقة رؤسائي ودفعوا بي إلى أوروبا لتغطية بداية تحرير الدول التي كانت تحت الاحتلال الألماني، فحصلت على فرص كبيرة وكثيرة، ورأيت أوروبا تتحرر، رأيت باريس المحررة، وكل هذا تطلب إعداداً شاقاً للنفس، لكي أقوم بمهامي على المستوى المطلوب، وهذا الاعداد كان بالأساس ثقافياً، وثقافياً هنا تعني المشاهدة والتفكير والاطلاع والمعايشة .

 

 من المؤكد أن هذا الإعداد لم يكن لحظياً . . وهذا يعيدنا إلى الجذور الأولى في مرحلة الطفولة، لنتعرف إلى قراءاتك ولمن كنت تقرأ؟

 

- الأستاذ: في منزل جدي لوالدتي وهو من عائلة سلام المعروفة، كان هناك تقليد صارم لكل أطفال العائلة، وهو حتمية تعلم وحفظ القرآن الكريم، فأحفاد عبدالله سلام لابد أن يحفظوا القرآن، وكان في بيت جدي “مندرة” مليئة بالكتب جمعها جدي وخالي من مكتبة صبيح بالأزهر، وبيت جدي كان موجودًا في المنطقة التي بها مشيخة الأزهر الجديدة، وكان بجوارنا بيت الرافعي وبيت الرزاز، وهذه المنطقة كانت مقراً للتجارة الوطنية في مصر، وتمتد إلى ميدان الأوبرا، والسكة الحديد حتى ميدان عابدين، وهو الخط الفاصل بين قاهرة التجارة الوطنية، وقاهرة التجارة الأجنبية، كما كانت المكتبات ودور النشر تتمركز إلى جوار المنطقة التي كان بها بيت جدي وهي المنطقة التي يطلقون عليها الآن السكة الجديدة والأزهر والغورية، فالتجارة الوطنية كما ذكرت كانت في هذه المنطقة، وفي الجهة المقابلة كانت البنوك الأجنبية .

 

وقد ساهمت هذه المنطقة بكل ما تحمله من زخم ديني في تشكيل ملامح شخصيتي الأولى، حيث كنت أذهب يوم الجمعة مع جدي إلى مقصورة سيدنا الحسين في وقت مبكر وأجلس لأستمع إلى القرآن الكريم بأصوات المقرئين العظام: الشيخ علي محمود والشيخ طه الفشني والشيخ محمد رفعت، هذا إضافة إلى البيت الذى يحمل استعداداً ثقافياً كبيراً، وفي هذا الإطار أؤكد على أنني ولدت بمنطقة الحسين وليس في قرية باسوس في القليوبية كما يكتب الكثيرون - وأذكر أن أول كتاب قرأته كان “أدب الدنيا والدين” - وعانيت كثيراً في فهمه - وقرأت بعد ذلك في دواوين الشعر وفي كتاب الأغاني للأصفهاني وفي كتاب ألف ليلة وليلة، ثم جذبتني كثيراً كتب السير الشعبية مثل ذات الهمة والظاهر بيبرس، وهو واحد من الشخصيات التي تأثرت بها كثيراً؛ لأني رأيت فيه صورة البطل .

 

 إلى هذا القدر أعجبتك شخصية بيبرس، رغم أنه قاتل قتل صديقه قطز؟

 

- الأستاذ: أنت تنظر إليه بطريقة جزئية، ولكني أنظر إلى تاريخه الهائل فقد تصدى بشجاعة للتتار، وأنشأ مملكة أو إمبراطورية مملوكية في هذه المنطقة من العالم، وإلى الآن ربما لايعرف الكثيرون مدى ما كانت عليه قوة هذه المملكة، وهذه القوة موجودة في الكتب والمراجع التي رصدت أعمال بيبرس، وعلى أي حال فقد أحببته كبطل استطاع تغيير أقداره، فرغم أنه بيع كمملوك جاهل بعشرة دنانير من الذهب، في حين كان أقرانه يباعون بمئة دينار أو أكثر؛ وذلك لأنه كان يعاني من نقطة بيضاء في عينه، ورغم هذا استطاع تكوين أفضل وأقوى إمبراطورية مملوكية في ذلك الوقت بعد انهيار عصر الخلفاء، وباختصار فقد كان بيبرس علامة مميزة في عصره .

 

 نعود إلى بلورة الجذور والروافد الثقافية في بداية حياتك .

 

- الأستاذ: القرآن الكريم هو الرافد الأول بعد أن تحول إلى “واجب عائلي” فقد كان علي وكل أطفال العائلة أن نتعلم القرآن على يد الشيخ قاسم، ثم الافتتان بالسير الشعبية، ومنها إلى المجالات الأدبية المختلفة، والفضاءات الثقافية المفتوحة، والثقافة بشكل عام عملية مستمرة تعيش مع الإنسان من ساعة مولده إلى ساعة موته، وتحتاج إلى المعايشة، فليس من المعقول أن أطلب منك أن تتصور معرضاً أو مكتبة أو مرسماً، إلخ؛ لأن عليك أن تتعايش مع هذه الأنشطة لأن الثقافة حياة بالدرجة الأولى، تدفعك إلى امتلاك “النظرة الكلية” إزاء الزمن والعصور والتطورات والتاريخ، والثقافة هي الوعي بعالمك والحياة فيه وتصور تقدمه، بعد أن تقترب منه ثم تلامسه ثم تعيش فيه ومعه، وكل هذا تعايشت معه من خلال قراءة القرآن ثم الكتب المختلفة ثم التعليم الأساسي، وأعتقد أني مدين بشدة لمدرسة خليل أغا الابتدائية والتي كانت تابعة للخاصة الملكية، فالتعليم بهذه المدرسة كان شديد الرقي والتميز، وحتى الآن مازلت أتذكر معامل المدرسة وملاعبها وخلايا تربية النحل والزراعة، ومثل هذا التعليم الراقي هو الذي يستطيع أن يعطيك المفاتيح التي يمكنك أن تصل من خلالها إلى العلم الحقيقي والآفاق الأوسع .

 

 هذه الجذور الثقافية شديدة التميز تتصادم مع ذهابك بعد ذلك إلى دراسة التجارة والأرقام، فلماذا كان هذا الخيار الصعب، وهل كان جبراً أم اختياراً؟

 

- الأستاذ : الحقيقة أني لم أختر هذه النوعية من الدراسة، ولكن الأمر يكمن في أن جدي ووالدي كانا يعملان بالتجارة، وإن شئت الدقة فالتجارة كانت مهنة كل العائلة، وشاءت الأقدار أن يصر والدي على أن أعمل معه في التجارة، حيث كان لي أخوان أكبر مني من زوجة أخرى غير والدتي وقد عملا بالفعل مع أبي في التجارة، ولكنهما ماتا بسبب المرض وأصبحت الابن الأكبر فكان لابد أن أعمل مع والدي في تجارته، ولذلك دخلت مدرسة التجارة المتوسطة، بينما إخوتي الصغار ذهبوا إلى الجامعة، فأخي الأصغر مني مباشرة ذهب إلى هندسة القاهرة وأصبح بعد ذلك أستاذاً في جامعة جورج واشنطن ورغم أن الحرب العالمية كانت ضاغطة على كل شيء ومن الصعب تغيير المسار إلا أني ذهبت إلى الجامعة الأمريكية لكي أغير مسار حياتي، وقد اختلفت كثيراً مع والدي لكي أفعل ذلك، ولكن دعم ومساندة والدتي كانا الدافع الأكبر لتكملة هذا المشوار .

 

 وهل استطعت بعد ذلك أن تنتزع رضاه واعترافه بنجاحك في مشوارك الجديد؟

 

- الأستاذ: لم أستطع إقناعه، ولكن والدتي كانت مقتنعة ومساندة وشاءت الأقدار أن أحصل على اعتراف ورضا والدي في “المحكمة”، حيث كان طرفاً في قضية خلاف تجاري، وكان محاميه المحامي الكبير “جاك كحيل” وهو أجنبي متمصر، وكان معجباً ومتابعاً لكتاباتي الأولى، وألح على والدي كثيراً لكي يرضى عني ويبارك خطواتي، ولكن والدي كان يرفض دائماً، حتى جاءت هذه القضية، وفجأة سأله القاضي هل لك علاقة بالصحافي محمد حسنين هيكل، فقال أبى “إنه ابني”، وكنت وقتها قد نشرت بعض كتاباتي عن فلسطين، فذهب والدي إلى والدتي وقال لها: يبدو أن كلام جاك كحيل صحيح وأن محمد له مستقبل كبير، و”يظهر إني كنت غلطان” .

 

 نعود مرة أخرى إلى “ثقافة الحروب”، وهل تلك المواجهة الدائمة والمرعبة مع الموت تجعل الإنسان يبحث عن “المتعة الأخيرة”، وهل كانت “القراءة والثقافة” هي متعتك الأخيرة في كل الحروب التي قمت بتغطية أحداثها؟

 

- الأستاذ: كثير من مشاهير الصحافة والأدب في العالم، عملوا في الصحافة المصرية الصادرة باللغات الأجنبية أو عملوا مراسلين لكبريات الصحف العالمية في مصر وقت أحداث الحرب العالمية الثانية، ومنهم على سبيل المثال جورج أوريل الذي عمل في الإيجيبشن غازيت، وبعضهم كان يقضي فترة خدمته العسكرية كمراسل عسكري مرافق للجيوش التي تعمل في مصر . . وأحد هؤلاء وكان يعمل مراسلا ل”الغارديان” في القاهرة كانت لديه نظرية للعمل الصحفي، تكمن في ضرورة أن يعمل الصحافي في بداية حياته بقسم الجريمة أو الحوادث ليتعرف خبايا النفس البشرية، وعليه أن يعمل أيضا مراسلاً عسكرياً ليكتشف كيف تلجأ الشعوب إلى الحرب عندما لا تجد حلولا لمشاكلها، وفيما بعد كان للدكتور محمود عزمي ومعه الأستاذ محمد التابعي نظرية أخرى للعمل الصحفي، تؤكد على أن الصحافي في بداية حياته عليه أن يعمل بقسم الفن ليتعرف إلى تفاصيل “الحياة” ولكن بصورة مصغرة، ثم عليه أن يعمل في قسم البرلمان، ليتعرف إلى أسرار وخبايا الحياة السياسية، وعندما ذهبت إلى “آخر ساعة” عملت فعلاً بقسم الفن، وربما لا يعرف الكثيرون أنني ارتبطت بعلاقة صداقة قوية مع الفنان نجيب الريحاني، وكنت أجلس معه في الكواليس، وبعد نهاية العرض كنت أركب معه الحنطور ونذهب لنجلس على المقهى، وذات ليلة وبعد مناقشات طويلة قال لي ماذا تفعل في هذا الوسط “مكانك مش هنا”، وأعتقد أن الدكتور عزمي لم يكن يقصد بالفن مجرد المسرح فقط، ولكن الأدب والفكر والثقافة بشكل عام . ومن حسن حظي أني طبقت النظريتين فقد عملت مراسلاً حربياً كما عملت بالفن .

 

ونعود إلى ثقافة حرب، فعندما تذهب كمراسل حربي فأنت لن تواجه الحرب فقط، وأذكر عندما ذهبت إلى اليونان لتغطية حرب البلقان كان معي المصور محمد يوسف، والذي أبدى دهشته لأنه وجد معي أربعة أو خمسة كتب عن مشكلة البلقان وعن اليونان، وعن الصراع التركي اليوناني والنزاع في البلقان، إلخ؛ فالحرب تحتاج إلى أن تجيد قراءتها، فكيف تقرأها وأنت غريب عنها، وتغيب عنك المعلومات الأساسية عن أطرافها وعن الأسباب التي أدت إليها . . وأذكر أن محمد يوسف كان يتعمد إخفاء هذه الكتب حتى لا أسهر طول الليل أقرأ فيها وأذاكرها ما يجعله لا ينام هو الآخر .

 

 هذه المعلومات تؤكد على أن هدفك الأساسي منذ البداية كان أن تصبح “محللاً سياسياً” وليس مجرد “مخبر صحفي”؟

 

- الأستاذ: على أيامنا كانت مهمة “المخبر الصحفي” أصعب وأهم من الآن، فالخبر في الوقت الراهن يذاع على الهواء عبر الفضائيات أو من خلال شبكة الإنترنت، أما قديما فكنا نعتمد على الأخبار التي ترد إلينا من وكالات الأنباء، وفي كل الأحوال فإن الصحافي وخاصة الآن مطالب بشرح ماذا تعني الأخبار والعمل على تحليلها؛ وذلك لأنه لايوجد رأي إلا على قاعدة خبر . . فالصحافيون ليسوا أدباء أو مفكرين أو فلاسفة يتحدثون عن معنى الوجود وصيرورة الكون، ولكنهم صحافيون يتحدثون عن الحياة اليومية ومتابعة أخبارها، ولذلك فمن المهم شرح وتحليل الخبر طبقا لقاعدة “لا رأي إلا على قاعدة خبر” .

 

 هذه قاعدة مهنية مهمة، والغريب أن غالبية الصحافيين والكتاب يسيرون عكس هذه القاعدة تماما أو على الأقل يهملونها؟

 

- الأستاذ: من المؤكد أن الأعمدة الكثيرة التي ملأت الجرائد والمجلات ليست عملا صحفياً، وإن كنت ألتمس الكثير من الأعذار للصحافيين والكتاب من الأجيال الجديدة، فهناك مصدران لصناعة الأخبار: الدولة والمجتمع، وأخبار الدولة هي الجزء المهم في عملنا، والمجتمع يصنع أخباره بالنشاط الاجتماعى الطبيعى، فهناك أخبار ما يحدث في عالم الجريمة، وما يحدث في قطاع الأعمال، وأيضا النشاط الفني والثقافي، كل هذا مهم، ولكن الأخبار الحقيقية المؤثرة هي ما تصنعه الدولة، فهي التي تصدر القوانين، والصحافي ليس مصلحاً اجتماعياً - ولكنه يحاول من خلال تنوير المجتمع أن يجعله قادراً على متابعة ما يحدث .

 

ونعود مرة أخرى إلى الحرب ففي الحروب وقبل أن تتعرض للمخاطر عليك أن ترى ملامح المشهد بشكل كلي؛ لأنك لو تعاملت مع الحرب على أنها مجرد (عركة) فسوف تخطئ خطأ فادحاً، فالحرب ليست مجرد نيران ومدافع، إلخ، ولكن الأهم هو ما الذي يحدث خلف هذه النيران .

 

وأذكر ونحن نغطي حرب البلقان من اليونان كنا نسير ثلاث سيارات جيب بين جبلين، كنت في السيارة الأولى مع بعض مراقبي الأمم المتحدة، وفي السيارة الثانية بعض مراقبي الأمم المتحدة، وفي السيارة الثالثة المصور محمد يوسف مع بعض المرافقين، وكانت قذائف الهاون تنهال من حولنا، وفجأة انفجرت السيارة الثانية بعد اصطدامها بأحد الألغام، وشاهد محمد يوسف ما حدث لمن فيها، ولو أن الحرب مجرد مغامرة لرفض يوسف تكملة هذه الرحلة المرعبة، ورغم انفعال محمد يوسف الشديد إلا أنه دخل معنا تحت سيارة لوري لنختبئ من قذائف الهاون، وكانت السيارة محروقة من آثار المعارك، وما حدث لنا رغم صعوبته وما يحمله من رعب إلا أنه ليس الحرب .

 

ولكنه مجرد هوامش على تجربة الحرب، ولكن الحرب بمعناها الشامل يجب أن تنظر إليها من خلال الأبعاد السياسية والاستراتيجية التي تكمن خلف هذه الحرب، فالحرب ليست مجرد ضرب نار ولكنها قوى ومصالح تتصارع، وتيارات عالمية تتصادم، وهنا تكمن الاستفادة من تجربة الحرب، فأحداث العالم الساخنة والمتفجرة لا تسمح لك بالالتفات بعيداً عنها . 

  

* الحرب وتحديداً حرب 1948 كانت السبب في لقائك الأول مع جمال عبدالناصر، وبعد الثورة في 1952 تعمقت علاقتك به حتى أصبحت صديقه وفي 1953 كنت مسؤولاً عن صياغة أفكاره في كتاب “فلسفة الثورة” فهل وجدت في عبدالناصر بطلك القديم الظاهر بيبرس؟

 

- الأستاذ: أريد أن أخبرك أولاً بظروف وتفاصيل المقابلة الأولى مع عبدالناصر، حيث كانت مقابلة تعيسة جداً، حيث كنت مع حسن فهمي عبدالمجيد والذي أصبح في ما بعد سفيرنا بالمغرب، وكان في ذلك الوقت ضابط أركان حرب مع البطل أحمد عبدالعزيز، وكان حيدر باشا وزير الحربية في ذلك الوقت قد رفض منحي تصاريح الذهاب إلى فلسطين لتغطية أحداث الحرب، فذهبت إلى الأردن، ومن عمان إلى القدس إلى بيت لحم لكي أصل إلى قوات أحمد عبدالعزيز، وكان معي المصور محمد يوسف، ولم تكن هناك وسائل للمواصلات فمشينا على الأقدام 32 كيلومتراً، وكان في الطريق مستعمرتان لليهود، مستعمرة الزراعة ومستعمرة تل بيوت، وسرنا في اتجاه المستعمرات وكان معنا دليل فلسطيني اسمه “أبو إبراهيم” لديه خبرة طويلة في المسالك والدروب الآمنة، ورغم ذلك شعر بنا سكان أحد المستعمرتين وضربوا علينا النار وقد أصبت إصابة خفيفة في ساقي - والطريف أن “أبو إبراهيم” كان السبب في اكتشاف أمرنا فقد استرحنا بعض الوقت إلى جوار صخرة كبيرة، وفجأة أخرج مسدسه وأطلق رصاصة بحجة أنه رأى ثعباناً، أو كما قال هو “حنش”، وهذه الرصاصة كشفت أمرنا، فأطلق علينا سكان المستعمرة النار، المهم وصلنا إلى أحمد عبدالعزيز وكانت القوات المصرية الأساسية موجودة في “المجدل”، فقد دخل الجيش المصري بجناحين، جناح إلى بئر سبع وبيت لحم وهو الجناح الشرقي الذي كان فيه أحمد عبدالعزيز، أما القوات الرئيسية للجيش المصري فقد سارت على الطريق الساحلي إلى المجدل وأشدود “غزة - مجدل - أشدود” وكانت منطقة الفلوجة في الخط الواصل بين المنطقتين “بيت لحم - المجدل” والذي يسمى الطريق الأوسط، وطلبت من أحمد عبدالعزيز أن أذهب إلى الغرب فأعطاني سيارة جيب وأحد ضباطه، ونزلنا إلى الفلوجة وعلمت بوجود ضابط مهم بالمنطقة، وكنا قد توقفنا لوجود معركة كبيرة ومهمة على الطريق، وطلبت رؤية هذا الضابط المهم واسمه جمال عبدالناصر، فأخذوني إليه، وكان عائداً لتوه من المعركة، مجهداً ومتعباً ولم ينم منذ عدة أيام ووجدته في قسم شرطة “عراق المنشية”، يستعد للنوم، ومعه “بطانيتان” طوى إحداهما ليجعل منها “وسادة” وفرش الأخرى على الأرض لينام عليها، ومن اللحظة الأولى اكتشفت أن عبدالناصر كان ساخطاً جداً على الصحافة المصرية، لأنها كانت تنشر أخباراً غير صحيحة عن المعارك في فلسطين، وجلس على البطانية وقال: “انتوا مش عايزين تسمعوا حاجة، انتوا في مصر عايزين تكتبوا اللي انتوا عايزينه” . .

 

فقلت له: هل قرأت لي شيئاً؟

 

فأجاب: أيوه قرأت لك، وفي حاجات عجبتني . .

 

وكان شديد العصبية وجلسنا نحو نصف ساعة فقط ثم تركته وأكملت طريقي إلى المجدل، ونسيت عبدالناصر، وجاء عام ،1949 وعادت القوات المحاصرة في الفلوجة والتي كان من بينها جمال عبدالناصر، وكنت وقتها أغطي أحداث الانقلابات السورية، وجاءني زكريا محيي الدين وكنت رأيته قبل ذلك، وطلب إعطائي بعض الوثائق المهمة عن اتصالات “إسرائيل” ببعض القبائل في سيناء، وكانت لديه بطاقات لأشخاص مزدوجي الجنسية . وعندما جاء زكريا محيي الدين لمقابلتي كان معه جمال عبدالناصر، فتذكرت على الفور مقابلتنا الأولى في فلسطين وطلب مني في هذه المقابلة الثانية نسخة من كتابي الأول “إيران فوق بركان” وأذكر أن ثمن الكتاب وقتها كان “عشرة قروش”، فأعطيته النسخة هدية، ووجدت عبدالناصر في هذا اللقاء مهتماً بما يحدث في سوريا، ولم أقابله بعد ذلك إلا يوم 18 يوليو/تموز أي قبل الثورة بأيام قليلة، وكان ذلك في بيت اللواء محمد نجيب .

 

* تؤكد كل المعلومات أن عبدالناصر كان قارئاً ومثقفاً، ويستدل على ذلك بقائمة استعاراته من مكتبة الكلية الحربية، فكيف كانت علاقات التأثير والتأثر بينكما في مجال الثقافة؟

 

- الأستاذ: عندما قابلت عبدالناصر يوم 18 يوليو/تموز تناقشنا في أشياء كثيرة، وعندما نزلنا من منزل اللواء محمد نجيب وجدت لديه رغبة في استكمال النقاش، فطلبت أن نذهب إلى الأخبار فرفض عبدالحكيم عامر - وكان معنا - بحدة، فسألتهما هل تذهبان إلى بيتي فوافقا على الفور، فركبنا سيارتي، لأن سيارة عبدالناصر “الأوستن” كانت معطلة، وكنت أسكن في 14 شارع شجرة الدر بالزمالك في عمارة دار الهناء، ومازلت حتى الآن أتذكر ملابس عبدالناصر وهو جالس بجواري في السيارة (بنطلون رمادي وقميص أبيض)، وجلس عبدالحكيم في المقعد الخلفي للسيارة، ووقتها لم أكن قد تزوجت بعد، ورغم ذلك كان بيتي مرتباً، وكان يعمل معي سفرجي “هايل”، مات منذ عام واحد - الله يرحمه - وكان البيت مليئاً بالكتب التي كنت آتي بها من سفرياتي المختلفة لرغبتي الشديدة في القراءة والاطلاع “وحتى الآن الكتب جزء مهم في كل بيت أذهب إليه في الإسكندرية في الغردقة، في المنزل الريفي في برقاش” .

 

المهم عندما دخل عبدالناصر إلى البيت تفحص كل أركانه ثم سألني: أنت أرستقراطي؟

 

فقلت له: أبداً، وبدأنا نتحدث لنكمل ما كنا قد بدأناه في بيت محمد نجيب ثم في السيارة، وبعد الثورة كان أحمد أبو الفتح وإحسان عبدالقدوس وحلمي سلام أقرب إلى عبدالناصر مني، ولكن سرعان ما تقاربنا، وذلك لأنه اكتشف أنني أملك الكثير عن خلفية الصراع بعد قراءاتي عن حرب فلسطين وما بعدها، كما أنه كان يمتلك رؤية في كيفية الدفاع عن مصر، وأن هذا الدفاع لابد وأن يبدأ شرقاً، ولذلك كان الوطن العربي شديد الأهمية بالنسبة له، واكتشف عبدالناصر أثناء النقاشات التي كانت تدور بيننا أنني أعرف الوطن العربي جيداً، فقد أتاح لي عملي كمراسل أن أمر على الوطن العربي (ركناً . . ركناً وبلداً بلداً)، ذهبت إلى فلسطين، وبيروت، والشام، ولذلك تلاقت اهتماماتنا ووجدنا أن بيننا الكثير من المشتركات، وتحديدا المعرفة المشتركة وهذه المعرفة في جوهرها “ثقافة”، وبشكل عام فالثقافة هي المحصلة النهائية للتعليم والتربية الأسرية، فالإنسان ينتقل ما بين الأسرة ثم التعليم المنظم ثم التجربة العملية ثم مراقبة الحياة ومتابعتها لسنوات طويلة، وحصيلة كل هذا هو ما نسميه الثقافة، فهي حصيلة كل المعارف التي تتوافر للإنسان، من خلال معايشة الحياة، ومعايشة التاريخ، ومعايشة الزمن، ولذلك فمن الخطأ أن نتصور أن الثقافة هي الفن فقط، أو هي الرسم فقط، أو المزيكا فقط، أو الأدب فقط - إلخ، ونعود إلى عبدالناصر فقد تكلم مع كثيرين غيري، وحتى كتاب “فلسفة الثورة” كان من المفترض أن يكتبه الأستاذ فتحي رضوان والذي تقدم بمشروع أولي للكتاب، ولكنه كان بشكل أو بآخر مختلفاً عما يريده عبدالناصر، وعندما جاءني كتاب فلسفة الثورة جاءني لأن عبدالناصر اكتشف أن بيننا الكثير من المشتركات والاهتمامات وظن أنني قد أستطيع التعبير بدقة عن أفكاره، وعلى مر السنوات الماضية كثيراً ما كنت أسأل نفسي هل أثرت في عبدالناصر، أم هل تأثرت أنا به، والحقيقة أن الأمور لا تقاس بمثل هذا المقياس، لأن الأساس في ما ربط بيني وبينه هو “العلاقة الإنسانية”، ولذلك فأنت لاتستطيع أن تحدد في هذه العلاقة من ساهم بماذا وكيف كانت هذه المساهمة؟ فالعلاقات الإنسانية التي تنطلق من الصداقة تقوم على الحوار المستمر الذي لاينقطع وبذلك فطرفا العلاقة بينهما علاقات تأثير وتأثر بشكل دائم، والحوادث تربط بينهما بشكل مستمر، وعندما تأتي أنت الآن لتقول بأن عبدالناصر اختارني أو “اصطفاني” لكي أصيغ أفكاره في كتاب “فلسفة الثورة”، فهذا ربما يكون غير صحيح، لأن ما حدث أنني كنت قريباً من أفكاره، وهذه المسألة لا تأتي بالاحتراف، ولكن تأتي بالقرب والتقارب في الفكر، فمن قبل فلسفة الثورة كنت أحتك بعبد الناصر .

 

* لقد ظهر هذا الاحتكاك واضحاً ليلة ثورة يوليو وما صاحبها من أحداث كنت طرفاً فاعلاً فيها؟

 

- الأستاذ: قبل اندلاع ثورة يوليو كنت رئيساً لتحرير آخر ساعة، وكنت أعرف الكثير من الساسة والقادة المصريين، فكنت أعرف نجيب الهلالي بشكل جيد، وأعرف علي ماهر وحسين سري وحافظ عفيفي، إلخ، وليلة الثورة ذهبت إلى القيادة العامة للقوات المسلحة حيث كان عبدالناصر موجوداً ومعه رفاقه من مجلس قيادة الثورة، وكنت وقتها واحداً من رؤساء تحرير جريدة “الأخبار”، وكان مصطفى وعلي أمين قد ذهبا إلى الإسكندرية لمتابعة الأحداث وتشكيل الوزارة أيضاً، ولم يكونا على علم بمسألة الثورة حتى تفجرت الأحداث، وكنت دائم الاتصال بسكرتير تحرير الأخبار، وفي الثالثة صباحاً وأثناء حديثي مع سكرتير التحرير قطع عامل التليفون (عم حامد) التواصل وأخبرني بأن مصطفى بيه يسأل عني وأوصلني به، فسألني مصطفى أمين بلهفة هل تعرف أن الجيش خرج من ثكناته، فقلت أعرف، فقال وأين أنت الآن؟ فقلت في قيادة الجيش الذي خرج من ثكناته، فسألني وهل اللواء محمد نجيب معهم؟ فقلت نعم، فقال انتظر نجيب الهلالي باشا هيكلمك، وفي هذه الليلة اكتشفت أهم صفات جمال عبدالناصر وهي (الحسم) وسرعة إصدار القرار الصائب، فعندما سألني نجيب الهلالي عن رقم التليفون الذي أتكلم منه لم أقدم جواباً، ودخل اللواء محمد نجيب والذي كان يجلس في مكتب حسين فريد رئيس الأركان فأخبرته بأني أكلم مصطفى أمين وهو يسأل عن رقم التليفون الذي أتحدث منه، فقال: عبدالحكيم عامر بحدة: لا تخبره بالرقم، فرد عبدالناصر بهدوء: اخبره برقم التليفون، وكان على ما أذكر “44544”، ثم قال لعبدالحكيم: على الأقل يكون لنا اتصال بهم لنعرف كيف يفكرون .

 

* نعود إلى الثقافة وعلاقة التأثير والتأثر مع عبدالناصر؟

 

- الأستاذ: كنا نتحدث كثيراً في التاريخ وفي الأدب والشعر، وقد قرأ عبدالناصر كثيراً في التاريخ، وخاصة في التاريخ العسكري، فعندما كان يعد رسالته “أركان حرب” وهي تعادل رسالة الماجستير كان موضوعه الدفاع عن مصر وكان متأثراً بنظرية اللورد اللنبي، وبشكل عام فقد كان قارئاً جيداً للتاريخ، وللاستراتيجيات والتكتيكات العسكرية بشكل خاص، وأذكر أن عبدالناصر كان دائم الترديد لبيت من الشعر يقول:

 

خلت الرقاع من الرخاخ ففرزنت

 

فيها البيادق واستطال الأعبد

 

بمعنى أن رقعة الشطرنج لم يعد بها شيء إلا العساكر (هذا البيت من قصيدة “الحبس” للشاعر الفلسطيني سعيد الكرمي 1852 - 1935) .

 

والأهم من المناقشات والحوارات التي كانت تجمعني بجمال عبدالناصر، أن علاقتنا تطورت إلى صداقة حقيقية، لها خلفية ولها منطقة تتحرك فيها، ولها الموضوعات التي نتناقش حولها، وفي الصداقات الحقيقية يجب ألا تعجزك الموضوعات، ولا يرهقك الصمت، بمعنى أن الصديقين إذا جلسا معاً من دون أن يتكلما فإن هذا الوضع لا يمثل أية أزمة لأن التواصل الروحي بين الأصدقاء أكبر وأقوى من أي تواصل، والصداقة الحقيقية لا تعرف التكلف، ذلك التكلف الذي يدفع كل طرف إلى إعطاء صورة مزيفة عن نفسه، وإذا وجد هذا التكلف فسد كل شيء، لأن الصداقة تعني أن يكون كل صديق على طبيعته تماما مع صديقه - يتحدثان وقتما يريدان ويصمتان وقتما يريدان (لا تعجزهما الموضوعات ولا يرهقهما الصمت)، على شرط ألا يؤدي الصمت إلى الوحشة أو الملل، ورغم أني عرفت أصدقاء كثيرين في مصر وخارجها وكان توفيق الحكيم من أقرب أصدقائي لكني طوال السنوات الماضية أشعر دائماً بأن عبدالناصر “بيوحشني” كصديق وليس كزعيم، وفي التاريخ الحديث هناك علاقة صداقة أقرب لحالتي مع عبدالناصر جمعت ما بين القائد الإنجليزي مونتجمري والزعيم الإنجليزي تشرشل .

 

* في حوار قديم مع الفنان فريد شوقي أخبرني بأن عبدالناصر استدعاه أثناء معارك 1956 ليكلفه بعمل فيلم عن أحداثها، وأن السادات قال له لقد أبكيتني بفيلم “لاتبك يا حبيب العمر” وأن مبارك قال له “كرشك كبر يا فريد”، فهل يصلح ما قاله فريد شوقي كقاعدة للتفرقة “ثقافياً” بين الرؤساء الثلاثة؟

 

- الأستاذ: ليس لي علاقة بتقييمات فريد شوقي، ولكن كل رئيس منهم ابن مرحلته مع وجود الفروق الشخصية والاستعداد الذاتي للتعامل مع الثقافة ومفرداتها . فعبد الناصر جاء وسط حركة للتحرر الوطني وصار زعيماً لها، فهو موجود على الساحة وابن شرعي لها، كما أنه رائد من رواد فكرة الوحدة له رؤية وفكر وثقافة . بينما أنور السادات كرئيس وليد لفترة تناقضات الحرب الباردة وما أدت إليه، أما حسني مبارك فهو وليد لفترة الهيمنة الأمريكية، تلك الهيمنة التي ترسخت في كامب ديفيد .

 

وبشكل عام فإن كل رئيس من الثلاثة عبّر عن مرحلته، مع مراعاة أن العمل العام يفرض عليك بأكثر مما تفرضه عليه، وقدرتك تتحقق باستعمال المكونات المتاحة لك لتحقيق أهدافك، تلك الأهداف التي يجب أن تنطلق من استراتيجية واحدة، وهذا كان واضحاً تماماً مع عبدالناصر، والذي أدرك أن الثقافة عنصر مهم من عناصر الاستراتيجية المصرية التي تنطلق بالأساس من عروبة مصر، حيث وحدة اللغة والامتداد الجغرافي . والمؤسف أنه بعد عبدالناصر وجدنا من يقول “مصر أولاً”، ومثل هذا الكلام لا يصح في دولة بقيمة وقامة مصر، فعندما تكون في منطقة أنت جزء منها ثقافيا، فكيف تقول إنك أولاً أو حتى ثانياً أو ثالثاً أو أخيراً، لا يوجد شيء من هذا، خاصة وأنك بلد لا تستطيع العيش بمواردك داخل حدودك، وقد كانت عبقرية عبد الناصر في إدراكه لكل هذه الأبعاد ثقافياً واستراتيجياً .

في المدة من 31 يوليو/تموز 1957 وحتى 2 فبراير/شباط 1974 استطاع الأستاذ هيكل أن يقدم تجربة فارقة في تاريخ الصحافة والثقافة من خلال رئاسة تحرير جريدة “الأهرام”، فكيف لكاتب غارق في السياسة بكل خلاياه أن يكون واعياً بهذه الدرجة اللافتة إلى أهمية الثقافة؟

 

- الأستاذ: أعتقد أنه لا توجد سياسة من دون ثقافة، وإذا فصلت الثقافة من السياسة تحولت إلى سلطة، حيث لا فرق بين رئيس الدولة وضابط البوليس، لأن ما يفرق الاثنين هو البعد السياسي الذي يكمن خلف الفكرة السياسية، والشيء الأهم والحاكم هو موقع مصر، فأمامك أوروبا على الشاطئ الآخر، وأنت بين إفريقيا وآسيا، وأمريكا اللاتينية قادم جديد، هذا الموقع الحاكم جعلني دوماً أؤمن بأن الثقافة ليست بعيدة أبداً عن السياسة، وأنه لا ظهير للسياسة إلا الثقافة .

 

 هذا الإيمان بالثقافة جعلك تنشئ الدور السادس ب”الأهرام” أو كما أسميه “الدور الساحر” ذلك الدور الذي جمع عمالقة الأدب والفكر من كل الاتجاهات السياسية والفكرية، وكأنك كنت حريصاً على إبراز التعددية في ثقافة مصر، أو على الأقل إنشاء “هايد بارك” لكل الأفكار والرؤى؟

 

- الأستاذ: سألني توفيق الحكيم عندما عرضت عليه الانضمام ل”الأهرام” لماذا تريدني في “الأهرام”؟ وكان متشككاً باستمرار، فقلت له لا أريد منك شيئاً أبداً، فسوف تحصل على راتب يساوي خمسة آلاف جنيه في السنة - وهو نفس الراتب الذي كنت أتقاضاه في “الأهرام” - وذلك لمجرد أن تتناول “الغداء” في مطعم “الأهرام” يومياً . . فسألني، ومن سيدفع حساب الغداء؟

 

 فقلت له: “الأهرام” سيدفع، فقال متعجباً: وأحصل على راتبي مقابل ذلك فقط؟ فقلت له نعم بشرط أن يجلس معك كل يوم خمسة أو ستة من شباب “الأهرام” تدعوهم على “الغداء” وتتناقش معهم لكي ينهلوا من ثقافتك، وكنت أهدف من وراء ذلك أن ننقل الثقافة إلى الناس، لأن الثقافة مثل السياسة إذا لم تكن لمصلحة الجماهير فلا قيمة لها .

 

 وكان الحكيم أول أديب كبير أستعين به في “الأهرام”، وذهبت بعد ذلك إلى طه حسين في بيته “رامتان” بشارع الهرم، وعرضت عليه الانضمام ل”الأهرام”، ولكن خلافاته مع الحكيم جعله يعتذر قائلاً: “أنت يا سيدي لا تعرف غير صديقنا توفيق الحكيم، وأدعو الله ألا تخدع فيه كما خدعنا فيه”، وكان طه حسين يمتلك “اعتزاز المفكر” فاعتذر وقبلت اعتذاره، وهذا لم يمنعني من الإصرار على الإتيان بكبار الأدباء مثل نجيب محفوظ .

 

 اشترط الأديب الكبير نجيب محفوظ ألا يعمل في “الأهرام” إلا بعد إحالته إلى المعاش وظيفياً؟

 

- الأستاذ: نعم حدث ذلك، وقد استطاع نجيب محفوظ ومعه كبار الكتّاب أن يقدموا على صفحات “الأهرام” الجزء الأكبر مما لديهم، ولكن الشيء المهم أننا أعطيناهم المناخ الجديد الذي يمنحهم حرية الكلام والنقد، فكل النقد الذي كتبه نجيب محفوظ أيام عبدالناصر مثل: “ثرثرة فوق النيل”، و”اللص والكلاب”، و”أولاد حارتنا”، كان خلال صفحات “الأهرام” .

 

 كانت شجاعة كبيرة أن تتصدى لنشر “أولاد حارتنا” على صفحات “الأهرام”؟

 

- الأستاذ: لم تكن “أولاد حارتنا” فقط هي التي أثارت الكثير من الجدل والهجوم على “الأهرام”، ولكن رواية “بنك القلق” للحكيم أثارت جدلاً أكبر، حيث احتج عبدالحكيم عامر بشدة ووصل الخلاف بيننا إلى نقاش حاد أمام عبدالناصر، حيث أكد عامر أن الحكيم يقصد نقد المخابرات، ولكن عبدالناصر كعادته حسم الموضوع بهدوء حيث قال لعامر، إذا كان توفيق الحكيم كتب في العصر الإقطاعي السابق “يوميات نائب في الأرياف” وقال رأيه في الأحوال الاجتماعية المصرية في ذلك الوقت، ولم يتصد له أحد، فهل يعقل أنه عندما ينتقد بعض الأوضاع بعد الثورة أن نتصدى له . المهم أن “الأهرام” حرص على وجود كبار الأدباء والمفكرين مثل: زكي نجيب محمود - يوسف إدريس - لويس عوض - عبدالرحمن الشرقاوي، والدكتورة بنت الشاطئ .

 

ونعود لموضوعنا الأساسي عن علاقة السياسة بالثقافة لأؤكد لك بأن الثقافة هي الظهير الحقيقي للسياسة - ومصر بطبيعتها موصولة بالعالم، وعلى كل واحد في مكانه أن يحاول بناء ولو “خلية”، وأنا لا أدعي بأنني بنيت ولكني جمعت كل هؤلاء الأدباء المفكرين معاً، انطلاقاً من إيماني بأن الثقافة ليست مسألة محلية، فمجموعة القيم السائدة في كل عصر موصولة بثقافات العالم كله، وإذا لم نكن جزءاً من الحركة الثقافية والفكرية في العالم، فمعنى ذلك أننا نقف “محلك سر” .

 

 اخترت توفيق الحكيم للقيام بدور محدد ومهم، فهل كانت هذه “القصدية” تحكم كل اختياراتك لمجموعة الأدباء والمفكرين الذين كوَّنوا كتيبة “الأهرام” المرعبة؟

 

- الأستاذ: ليست مرعبة ولكنها “مُطَمْئِنة” .

 

 أقصد مرعبة باجتماعها في مكان واحد؟

 

- الأستاذ: إذا كنت تتكلم عن ثقافة شعب فلابد أن تكون جميع تياراته موجودة، فالبعد الإسلامي كانت تمثله الدكتورة عائشة عبدالرحمن “بنت الشاطئ”، وتوفيق الحكيم كان يمثل فكراً آخر هو الوسطية، ويوسف إدريس متأثر جداً بالأدب الإسباني، وعبدالرحمن الشرقاوي يمثل اليسار، وهكذا فإن هذه المجموعة من كبار المفكرين والأدباء تمثل “تكامل الثقافة المصرية” وأيضاً تمثل الانفتاح والاحتكاك بكل ثقافات العالم الأخرى، من خلال التواصل مع كل المدارس الأدبية والفكرية، وهذا التواصل مع الآخر هو ما كنا ومازلنا في أشد الاحتياج إليه .

 

 بعيداً عن كوكبة الأدباء استطعت اجتذاب مجموعة من المفكرين والفنانين مثل زكي نجيب محمود وحسين فوزي والفنان التشكيلي صلاح طاهر والفنان صلاح جاهين؟

 

- الأستاذ: من أكثر الأشياء التي أعتز بإنجازها خلال فترة رئاستي لتحرير “الأهرام”، تلك المجموعة المتميزة من اللوحات الفنية، ولم يقتصر دورنا على مجرد “الاقتناء”، ولكن كنا نشجع وندعم الفنانين المبدعين، فمثلاً الخزاف الشهير محيي الدين حسين عينته في “الأهرام” وأعطيته تفرغاً، ليس من أجل تحرير “الأهرام” أو تقديم ورق مكتوب، ولكن من أجل أن يخرج “شعاع ضوء” في سماء الفن والإبداع، فيجب أن ينطلق ضوء كاف خلف كل كلمة، فالكلمات ليست مجرد حبر على ورق، فالكلمة بشكل أو بآخر يجب أن تكون شعاعاً ينير الطريق أمام الناس، فأنت عندما تدخل “الأهرام” وتصافح عيناك تلك اللوحات الجميلة، فهذا شيء يسعدك بكل تأكيد، وأذكر أن الاتحاد الاشتراكي قلب الدنيا بسبب هذه اللوحات وما يدفعه “الأهرام” من أجل شرائها، فذهبت إليهم وهاجمتهم وقلت لهم عليكم أن تغضبوا إذا كنتم تدفعون ثمن هذه اللوحات، ولكن “الأهرام جورنال” يستطيع أن يغطي مصاريفه وحتى شطحاته، فإذا طلبنا منكم المساعدة فمن حقكم الاعتراض - وقد صنعنا جريدة ناجحة ومعبرة عن الناس، وهذا ما نستطيع أن نؤديه تجاه بلدنا، ولا توجد لكم سلطة علينا خاصة أنكم لا تقومون بتمويلنا، وليس في مقدور الدولة أو الاتحاد الاشتراكي الادعاء بتمويل شراء هذه اللوحات، التي اشتريناها من أموال “الأهرام”، وهذه اللوحات الموجودة الآن في “الأهرام” تمثل واحداً من أهم أصول “الأهرام”، حيث تساوي عشرات الملايين من الجنيهات .

 

 الإنجازات العظيمة التي حققها “الأهرام” على يديك ربما تتصادم مع كونك واحداً من أبناء “الأخبار” انطلاقاً من الاختلاف الواضح بين الجريدتين؟

 

- الأستاذ: “الأهرام” لم تكن مشروعاً مصرياً خالصاً عند بدايتها، فهي ثمرة للتعاون المصري - الشامي، وأنا أحد المؤمنين بضرورة التواصل المصري الشامي في كل وقت وحين، وعندما اقترح علي باشا الشمسي على عائلة تقلا أن أصبح رئيساً لتحرير “الأهرام” لإقالتها من عثرتها في ذلك الوقت، بدا الترشيح غريباً بالنسبة لهم، لأنهم لم يتصوروا أن يأخذوا رئيس تحرير عمره 32 سنة فقط، وقد ساعدني امتلاكي لاتجاه مختلف عن اتجاهات “الأخبار”، فعندما تقرأ ما كنت أكتبه في ذلك الوقت ستجده مختلفاً، والحقيقة أنني لم أكن وحدي فنحن جيل تأثر بالحرب العالمية الثانية ومناخها، وأظن أن هذه الحرب قد أتت بالعالم إلى مصر، وأخرجت مصر إلى العالم، وعندما ذهبت إلى “الأهرام” قدمت شيئاً جديداً انطلاقاً مما كنت أمثله كجيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانطلاقا من تجاربي في تغطية الحروب والأحداث الساخنة في العالم، وأذكر عندما ذهبت إلى حرب البلقان لم يكن أحد في “الأخبار” متحمساً لذهابي بمن فيهم أستاذي محمد التابعي، الذي كان يقول وماذا ستفعلون في هذا الأمر - ولم يساندني إلا “علي أمين” - وقد تغيرت الدنيا بعد الحرب العالمية الثانية خاصة بعد استخدام السلاح النووي، والجيل الذي سبقنا في الصحافة المصرية كان مشغولاً بقضايا الداخل، وخاصة الحركة الوطنية المهتمة بالاستقلال، أما جيلنا فخرج خارج الحدود وانشغل بقضايا العالم المختلفة .

 

 نعود إلى ذلك “الدور الساحر” أو الدور السادس في “الأهرام”، فهل تأثرت في ذلك بأستاذك محمد التابعي الذي كان يجمع بين اهتمامه بالسياسة واهتمامه بالثقافة والفن؟

 

 - الأستاذ: الأستاذ محمد التابعي كان مدرسة مختلفة، فعندما تنظر إلى مراحل تطور الصحافة، فأول مرحلة كانت مع رفاعه الطهطاوي الذي اهتم بالترجمة، التي كانت وسيلة ربطنا بالعالم الخارجي، ثم جاءت مرحلة محمد عبده ولطفي السيد وهي المرحلة التي اهتمت بتجديد الفكر الإسلامي، الشيخ محمد عبده يعبر عن روح العصر، ولطفي السيد يبحث عن منابع الثقافة الغربية في الفلسفة “الفلسفة الإغريقية بالتحديد”، ثم جاءت بعد ذلك مرحلة صحافة الخطابة بداية من مصطفى كامل وحتى سعد زغلول، وهي مرحلة العمل السياسي والفكر السياسي، وأتذكر آخر خطبة ألقاها سعد زغلول وكانت في شبرا التي قال فيها “يعز عليَّ أن أرى منبر الخطابة منصوباً ولا أستطيع له رقياً، وأن أجد مجال القول واسعاً ولا أجد له لساناً فتياً”، ولأننا كنا في مرحلة طلب الاستقلال فكان من الطبيعي أن تلجأ الصحافة إلى الحجج القانونية والخطابية والبلاغية لتعبئة الرأي العام، ثم جاءت بعد ذلك تجربة البرجوازية الصغيرة، وهي صحافة تهتم بما قاله فلان وبما عملته فلانة، وهي بشكل عام تهتم بالطبقة المتوسطة .

 

 صحافة النميمة؟

 

- الأستاذ: ليست نميمة بالضبط، وبعد دستور 1923 الذي انحاز لطبقة ملاك الأراضي، اتجهت الصحافة إلى الثرثرة، حتى دخلت الجيوش في الحرب العالمية الثانية إلى مصر . وبشكل عام ظلت الصحافة متأثرة بالخطابة والترجمة، فعندما تقرأ المكتوب في ذلك الوقت تجد العبارة الجزلة والتعبيرات الرصينة والسجع والجناس والطباق وكل المحسنات البديعية - حتى جاء الأستاذ التابعي بأسلوبه الساحر الذي وضع أسلوب السرد والحكاية، وهي المدرسة التي تأثر بها بعد ذلك مصطفى أمين، ويظهر ذلك جلياً في كتابه “ماذا جرى بين الوفد والقصر” فالكتاب مملوء بالحكايات الفرعية المهمة والتي تكون في النهاية صورة متكاملة للأحداث، المهم أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت مدرسة ما بعد الحرب وبدأت الأفكار اليسارية والاشتراكية في الظهور، وبدأ العالم يموج بأشياء كثيرة مما حتم تغير لغة الصحافة، وهذا ما استطاع الأستاذ التابعي استثماره ليضع بصمته الخاصة على لغة الصحافة .

 

وقد تأثرت بالأستاذ التابعي ولكني احتفظت بأسلوبي الخاص، وأذكر عندما رشحني الأستاذ علي الشمسي لرئاسة تحرير “الأهرام” أني طلبت نسبة 2،5% من الأرباح فرفض أصحاب الجريدة، وقالوا إن “الأهرام” قد خسر كثيراً خلال السنوات العشر السابقة، فقلت إن الأمر لن يكلفكم شيئاً، فإذا حققت أرباحاً أحصل على 2 .5% منها فوافقوا على مضض، وكتب العقد المحامي الأستاذ مصطفى مرعي، وألغيت هذه الميزة عند صدور تنظيم الحد الأعلى للأجور . المهم أننا استطعنا بعد عام ونصف العا



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

مقالات الأعداء

إستطلاعات الرأي

فيس بوك

إجمالي الزيارات

20,155,451