عودة إلى: طباعة الموضوع إكتب تعليقك على الموضوع    
 البديل خاص\ دراسات \بقلم الدكتور خالد الناصر  |  2/14/2009


حول مسألة  قيام التنظيم القومي



لا شك لدي في ضرورة وجود إطار قومي جامع لدعوة تحرير الوطن العربي ومواطنيه من كل أشكال الاحتلال والهيمنة والاستعباد الخارجي والمحلي , وانتشاله من وهاد التخلف والظلم بكافة أشكالهما الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية , وإعادة توحيده بعد تجزئته التي فرضتها القوى الاستعمارية ورسختها القوى المحلية المستفيدة منها ؛ إطار يجمع المؤمنين بهذه الدعوة في كل أنحاء الأرض العربية وفي مهاجرهم فيوحد فكرهم وجهودهم ويكون حاملاً لاستراتيجية الوصول إلى أهداف تلك الدعوة , وأداة ً تجسدها وتعمل على تحقيقها .
ولست بالطبع بصدد إيضاح البديهيات فهذه المسألة هي - من الناحية النظرية- موضع إجماع كامل أو يكاد بين الوحدويين العرب ؛ وإن كانوا - من الناحية العملية - قد انتكسوا أو تعثروا أو أخفقوا أو اختلفو في تجسيدها أو تاهوا عنها في زواريب الخلافات الشخصية والنرجسيات والمعارك الجانبية حول قضايا ثانوية رفعوها إلى مرتبة المبادئ أو ربما هامة ولكنها ليست راهنة , وهي ظواهر يجب التأمل فيها والتحري عن أسبابها لتقريب يوم هذا الهدف العزيز المنشود .
وليس قصدي أيضاً أن أظهر إيماني المطلق بهذه المسألة أو أدافع عنه ؛ فلقد سلخت جلّ عمري في سبيل هذه الدعوة منذ أن كنت تلميذاً صغيراً تطارده هراوات شرطة الإنفصال الأسود في شوارع قلعة العروبة العنيدة حلب قبل بضع ٍوأربعين سنة , وقضيت مايزيد على ثلاثة عقود ونصف في التجربة القومية الغنية التي انطلقت بتكليف من قائد الثورة العربية جمال عبد الناصر وامتدت من عربستان والعراق وإمارات الخليج العربي إلى موريتانيا ومن اليمن والسودان إلى المهاجر الأوربية والأمريكية مروراً بأقاليم الوسط العربي وكنانته بالطبع , وكنت في غالبية هذه الفترة ضمن نسقها القيادي الأعلى , وهذه التجربة قد خرّجت كثيراً من قيادات العمل الوحدوي في جل الساحات العربية وعديداً من الشخصيات العربية العامة , وكانت في يومٍ من الأيام تنظيما قومياً حقيقيا ً له قيادته القومية ولجنته المركزية القومية وفروعه المنضوية تحت لوائها , ولقد غدر بهذه التجربة الرائدة تعاقب المحن التي تتالت على الأمة بدءاً من هزيمة يونيو 1967 ثم وفاة جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970 وبعدها انقلاب السادات الذي أطاح بقاعدة الثورة العربية وكذلك تفريط أبنائها بها بعد! أن بدأت رمال الشؤون القطرية المتحركة وإغراءات أنظمتها تجر بعضهم وتبطش ببعض وتدخل اليأس والإحباط إلى البعض الآخر إلى أن تحولت إلى ما يشبه الأب المهيب الغائب الذي يحن له الأبناء ولا يجرأون على إعلان وفاته أو تصديقها !.
لقد اضطررت إلى هذه المقدمة التي قد تبدو للبعض اعتذارية تحمل شحنة كبيرة من آثار التجربة الشخصية , لأنني أنوي أن ألقي قولا ً ثقيلا ً علي ّ وعلى الإخوة المتحمسين – ولهم , ولديهم , الحق في هذا – لإقامة تنظيم قومي يوحد الناصريين على وجه الإلحاح والسرعة وصلت بأخ كبير مثل الأستاذ سامي شرف الذي نكن له فائق الاحترام والتقدير أن يكلف الصديق العزيز د. جمال الصباغ بتشكيل لجنة تأسيسية لهذا الغرض وتجاوب مع هذه الدعوة إخوة – لا استثني نفسي منهم – يحملون هذا الحلم ويدعون له منذ أمد ٍ بعيد .
ومع أنني أضع نفسي تحت تصرف هذه المبادرة كما فعلت مع غيرها – وسأظل أفعل حتى نصل إلى الصيغة الملائمة والفعالة - , فإنني لا أخفي مخاوفي من تعثرها مثلما تعثر غيرها فالحماسة والأماني – مهما كانت عارمة وملحة – لاتبني عملا ً ولا تضمن استمراره ما لم ترتكز إلى أرض حقيقية صلبة وحسابات عملية صحيحة وقابلة للتنفيذ , وحتى لا أبدو كمن يضع العصي في الدواليب فإنني سأناقش المسألة وفق هذه المعطيات الواقعية ؛ داعيا الإخوة إلى تأملها بعمق وموضوعية والاجتهاد في وضع الحلول لمعضلاتها من خلال النقاش الجماعي لنصل إلى أفضل بداية تخرجنا من هذا الضياع الذي طال أمده .

أول هذه المعطيات أن مسألة التنظيم القومي – سواء كفكرة أو كتجسيد – ليست أمرا ً جديدا ً غير مسبوق ؛ ففي السياق الناصري ذاته جرت محاولتان جديتان وهامتان أشرت إلى إحداهما قبل قليل وأما الثانية فكانت تجربة " أنصار الطليعة العربية " التي أطلقها المفكر القومي الراحل د. عصمت سيف الدولة وتمحورت حول فكره وتصوراته , ولم يتم حتى الآن أي تقييم جدي لأي منهما ولم تدرس بعد أسبا ب تعثرهما ولا إمكانية إحياء إحداهما أو صهرهما في محاولة جديدة تشكل تجاوزاً جدلياً لكليهما أو على الأقل الاستفادة من دروس انتكاستهما ونحن نحاول من جديد . وفي خارج السياق الناصري وسابق له ثم متداخل معه ومفارق عنه ومتخاصم معه هناك تجربتان قوميتان هامتان لاتقلان أهمية – سلباً أو إيجاباً - عن التجربة الناصرية في التأثير على مجريات التاريخ العربي المعاصر , أعني حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب , فكلاهما كان تنظيماً قومياً ناضل لذات الأهداف وحكم أقطاراً عربية وتعرض للإنقسامات والانهيارات والإخفاق في تجسيد أهدافه أو تحقيقها وآل في النهاية إلى الزوال أو يكاد , ومهما كانت خلافات الماضي بينهما ومعهما تظلان جزءاً ! من إرث الحركة القومية وتاريخها ولابد من دراسة أسباب صعودهما وسقوطهما ففيها دروس غنية وهامة لطموح قومي جديد يود الإنطلاق . ولقد كنت قد قدمت في هذا المجال دراسة بعنوان " نظرة إلى أسباب انهيار نظم الحركة القومية العربية " - لم تحظ للأسف بالتفاعل المطلوب – أنصح بالرجوع إليها والإستفادة منها .
وثاني هذه المعطيات أن المادة التي سيبنى منها التنظيم القومي بشكل رئيسي هي الناصريون , ولكنهم في الغالبية موزعون على تنظيمات قطرية لها استراتيجياتها وحساباتها الخاصة النابعة من معطيات كل ساحة ولدى كل منها تحالفاتها مع القوى السياسية الأخرى وارتباطاتها التي قد تتعارض – وأحياناً تتناقض- مع ارتباطات وتحالفات قوة ناصرية أخرى في ساحة أخرى ( على سبيل المثال الناصريون في سورية معارضون للنظام السوري بينما الناصريون في لبنان متحالفون معه ! ) , وبالطبع لايغيب عني الحجة التي ستطرح لحل هذا الإشكال وهي أن وجود استراتيجية قومية ناظمة تجعل مثل هذا التباين يندرج ضمن مرونة التكتيك المحلي الخاص بكل ساحة ولكن للأسف لم يثبت التطبيق العملي بداهة الطرح النظري إذ نمت المصالح المحلية على ضفاف هذا التكتيك المزعوم فتآكل التماسك الاستراتيجي القومي وغدا الحليف الذي فرضه الواقع أهم وأقرب من الأخ الذي أنجبه المبدأ كما حدث في التجارب القومية السابقة !. ومع ذلك فإن هذه النقطة ليست بيت القصيد في هذه الفقرة وإنما الذي نريد أن ننبه إليه أن قيام التنظيم القومي سيواجه إشكالية وجود التنظيمات القطرية وكيفية التعام! ل معها ؛ فهل سيسعى إلى امتصاص أعضائها دون علم منها أو رضى فيدخل معها في معارك تجاذب وتناحر كما حدث في بعض الساحات في تجربة سابقة ؟ أم سيقفز عنها ليقصر نشاطه على الأفراد السائبين ويصبح بالتالي تنظيما ً مضافا ً إليها ومنافسا ً لها ونعود بالتالي إلى حالة التجاذب والتناحر مما يتعارض مع مبدأ التوحيد التي تقوم عليها أصلا ً الدعوة لقيام التنظيم القومي ؟ أم أن تشكيله منذ البدء سيكون من خلال التوافق مع هذه التنظيمات وفيما بينها للارتقاء من صيغة الجهود القطرية المنفصلة إلى صيغة العمل القومي المتكامل والمنسق ؟ وفي هذه الحالة الأخيرة ألن يحاول كل كيان من هذه الكيانات القطرية المنفصلة وضع شروطٍ للإنضواء ضمن الصيغة القومية وقد لا يدخل بعضهم فيها ؟ وحتى لو دخل الجميع ألا تظل اهتمامات الساحة لها الأولوية لدى هذه الكيانات على الاهتمامات العامة الأمر الذي يذكرنا بتحفظات الدكتور عصمت سيف الدولة ؟.
وثالث هذه المعطيات أن الحركة الناصرية والتيار القومي عموما ً – وهما الأساس التحتي الذي سيشاد فوقه بنيان التنظيم المنشود – في حالة ضعف وانحسار شديدين تتجلى في جملة من الظواهر الخطيرة المتبادلة التأثير أشار إلى بعضها كثير من الأخوة في معرض مداخلاتهم وتعقيباتهم في موقع الفكر القومي العربي على دعوة الأستاذ سامي شرف ومقال الأستاذ دياب أبو جهجه ومساهمة الأخ باحث وكنت قد حللتها بالتفصيل في دراسة بعنوان " الحركة الناصرية والدور المفقود .. دراسة في أسباب تراجعها وشروط نهوضها " منشورة في ذات الموقع , أكرر رجائي بالعودة إليها . وأجمل أهم هذه الظواهر المعيقة والتي لابد من إيجاد الحلول لها لانطلاقة أي عمل قومي فيما يلي :
- الهوة المتسعة مابين النخب السياسية - وبشكل أخص القومية واليسارية - والجماهير ؛ بحيث تحولت إلى قيادات بدون جنود مؤمنين بها وملتفين من حولها وانتكس مفهوم الطليعة الذي كانت الناصرية قد نقلته من المفهوم الماركسي الذي يحدد الطليعي بأنه ذاك المثقف الذي يمتلك الوعي الطبقي وبالتالي يقود الجماهير , ليكون الطليعي بالأساس قيادة شعبية تنبثق من صفوف الناس وتكتسب طليعيتها من ثقتهم بها وبجدارتها في تمثيل مصالحهم وبذلك قد يكون عامل أو فلاح يتفهم مشاكل زملائه ويتقدم صفوفهم من خلال تفويضهم للدفاع عن قضاياهم هو الطليعي الحقيقي بينما لا يملك مثقف متبحر - لا صلة له بالقطاعات الشعبية إلا من خلال الكتابة والندوات مثلا ً- من الطليعية سوى الادعاء . ومن هنا يصبح ملحا ً بل شرطا ً لنجاح أي عمل حزبي أو تنظيمي ينتويه التيار القومي استعادة ثقة الناس ليس فقط بسلامة المبادئ بل بقدرة حامليها على تحقيقها وعلى تمثيلهم قبل ذلك وبعده .
- الانقطاع الكبير بين جيل الصعود القومي – الجيل الذي تفتح وعيه السياسي والتحق بركب الحركة القومية إبان مدها العارم في الربع الثالث من القرن العشرين – وبين الأجيال اللاحقة وبالأخص الأجيال الشابة الراهنة التي تكاد تكون خارج إطار التسييس وإن فعلت ففي أحضان الحركات الإسلامية والجهادية , وهذا أمر بالغ الخطورة لأنه بدون رفد الحركة القومية بالدماء الجديدة اليانعة سيتحول أي إطار ندعو إليه إلى رابطة لقدامى المحاربين ومتقاعدي النضال الذين يذوون الواحد تلو الآخر . ويتصل بهذا أيضا ً غربة الخطاب المتبادلة بين الطرفين التي تحول الحوار بينهما إلى نوع من حوار الطرشان حيث يسبح كل منهما في عالم مختلف وإن جمعهما حيز زمني واحد .
- تقوقع القسم الأكبر من القوميين على التجربة الماضية وأطروحاتها ونفورهم من مراجعتها ونقدها وخشيتهم من المساس بما يعتبرونه ثوابت حتى بعد أن انقلبت الظروف العالمية والمحلية رأسا ً على عقب وبالتالي تجمد الفكر وتخشب الخطاب وتضاءلت القدرة على التأقلم وابتكار الحلول التي يتطلبها الواقع بإصرار لايرحم , ومن جهة أخرى نجد بعض دعاة التجديد والمراجعة يشتطون كل في اتجاه بحيث يصل البعض إلى تخوم الليبرالية الفضفاضة أو يكاد البعض الآخر أن يتحول إلى داعية اسلامي , والأخطر من ذلك عدم تحمل بعضهم بعضاً بشكل يتفارق غالباً مع تحملهم الاختلاف مع أفراد التيارات الأخرى ! فكيف نستطيع صهر هذا الخليط المتنافر ضمن بوتقة التنظيم وعلى أي أساس ؟ وهل يجوز استبعاد فئة لمجرد الاختلاف في هذه المسألة أوتلك ؟
- التفارق الصارخ مابين اشتعال معارك الجدل الفكري وحدة التنظير والحوارات التي لاتنتهي في المسائل الخاصة بالتيار القومي وتفريعها وخوض المعارك الوهمية حولها واتخاذها ذريعة لتقسيم المقسم والتذرر إلى شلل تكاد تصل إلى انقسام المرء على ذاته , وما بين الغياب شبه الكامل لهذا التيار عن ساحة الأحداث والمعارك الحقيقية التي تدور في بؤر الصراع الساخن من فلسطين إلى العراق إلى السودان وحتى لبنان أوأي مكان من الأرض العربية المستباحة في هذا الزمن الرديء حيث لانكاد نلاحظ أية فعالية لقوة ناصرية فيها بينما يحتل التيار الإسلامي ومنظماته صدارة المواجهة والفعل . وما دمنا نتحدث عن توحيد القوى فإن البحث الجدي عن وسائل الخروج من المعارك الوهمية والفرعية التي طالما مزقت هذا التيار إلى المشاركة الفعلية في الأحداث المستعرة على الساحة العربية يشكل إحدى الوسائل العملية الهامة لتحقيق هذا الهدف .
ورابع هذه المعطيات إن كون هذا التنظيم المنشود ذا طبيعة قومية يجلب معه صعوبات ومعضلات موضوعية لابد من التعامل معها بكل جدية وواقعية إذ لايمكن التغلب عليها بالأماني والنوايا الطيبة , ولقد لعبت هذه المعضلات دورا ً أساسيا ً في انهيار التجارب القومية السابقة وتفسخها . و بعض هذه المعضلات يمكن تجاوزها بحلول مؤقتة مثل معضلة مركز التنظيم أي مقر إدارته القومية الذي يصعب أن يكون في أي عاصمة عربية , ومشكلة وجود قيادة متفرغة لتستطيع متابعة مثل هذا العمل الضخم فالعناصر المؤهلة أو الجديرة بالقيادة غالبا ً ما تكون مكبلة بظروفها الشخصية ولا تستطيع التفرغ بينما العناصر القادرة على التفرغ لاتكون بالإمكانيات القيادية المطلوبة , وكذلك المشكلات القانونية التي تنشأ من كون القوانين في الدول العربية القطرية لاتجيز وجود أحزاب عابرة للحدود اللهم إلا إذا كان العمل المنوي إقامته سيعمل بشكل سري فعندها سنواجه معضلات من نوع آخر تتعلق بهذا النمط من العمل . ولكن أهم هذه المعضلات على الإطلاق هي معضلة النفقات والتمويل ؛ فعمل كهذا يستدعي اجتماعات متكررة لمؤسساته ومؤتمراته ولجانه وانتقال أعضائها من مكان إلى مكان! وتغطية مالية لإقاماتهم ,هذا عدا عن بقية أوجه نشاطاته الأخرى النضالية والجماهيرية والسياسية والفكرية وتوفير كادر متفرغ في هذه المجالات ؛ وكل هذا يعني نفقات واجبة السداد وإلا تعطلت هذه النشاطات وبالتالي توقفت حركة التنظيم ومن ثم استمراريته . من هنا فإن قضية التمويل ترتقي إلى مستوى وجود التنظيم ذاته ؛ ولابد للتمويل أن يكون كافياً يستطيع تأمين كل متطلبات الحركة , ومستمراً يستطيع مواكبة حركة التنظيم ونموه , ويستند إلى مشاريع استثمارية مدروسة ومضمونة تؤمن نماءه المستمر وعدم تآكله بفعل المصاريف الدائمة , تحكمه معايير شفافة للمحاسبة والمراقبة , ويمتلك احتياطاً استراتيجياً يلجأ إليه في حالة الضرورة القصوى . ويبرز هنا سؤال هام وحاسم وهو كيف ومن أين يمكن الحصول على هذا التمويل ؟ .. آخذين في الاعتبار عدم ارتهان قرار وسياسة التنظيم بأي شكل من الأشكال لجهة التمويل أياً كانت , وأن تكون وسائل الحصول عليه شريفة تتكافأ مع غايات التنظيم النبيلة .

إن المشكلة إذن ليست في إعلان قيام التنظيم القومي ؛ فهذا أمر لا يحتاج سوى إلى لجنة تحضيرية كالتي اقترحت تمهد إلى مؤتمر عام يعلن هذا الأمر , أو أن يقوم المؤتمر الناصري - الذي اكتسب صفة الدورية وأصبح حقيقة واقعة – بتطوير نفسه إلى مؤتمر قومي ينتخب قيادة قومية ويبدأ الانطلاق , وإنما القضية في استمرار مثل هذا العمل وقدرته على إنهاء أو تجاوز شرذمة التيار القومي وارتقائه ليكون فعلا ً أداة ً حقيقية لتحقيق أهداف النضال العربي . لذلك فالأجدى قبل التسرع بالإقدام على خطوة من هذا النوع ثم التعثر في متابعتها وتحمل تبعات انتكاستها أن نهيّء الظروف لنجاحها من خلال التفكير الفردي والجماعي لإيجاد حلول جادة وعملية للمعضلات التي أشرت إليها وفي نفس الوقت تبني على حصيلة التجارب القومية السابقة – بشكل أساسي تلك التي أفرزتها التجربة الناصرية - استكمالا ً لمسيرتها واستيعابا ً لدروسها وتجاوزا ً لأخطائها وأعتقد أن منبر الفكر القومي العربي يمكن أن يلعب دورا ًحيويا ً في هذا الصدد .
وحتى لا يداخلنا اليأس أو الإحباط أشير إلى أننا لاننطلق من فراغ فنحن نملك الكوادر القومية المنتشرة المؤمنة بهذه القضية في كل أرجاء الوطن العربي وفي المهجر , وكذلك فإن كثيرا ً من التنظيمات الناصرية في الأقطار العربية كانت بالأصل جزءا ً من العمل القومي ولذلك فإن الأمر يتعلق بالبداية الصحيحة التي توصل إلى الصيغة السليمة المطلوبة . ويمكننا في هذا الشأن الاستفادة من المؤتمر الناصري كبداية عملية وواقعية رغم بعض السلبيات التي أحاطت بانعقاده الأول وكونه كان متجها ً أساسا ً لتوحيد الناصريين في مصر وأن المشاركة القومية شملت ساحات عربية قليلة ؛ فهو يمتلك فعلا ً – إضافة إلى أنه يشتغل على بلورة وثيقة فكرية ناصرية تشكل مرجعية موحدة للتيار القومي- بعض الخصائص المناسبة لمثل هذا التحرك والقابلة للتطوير باتجاه الأمل المنشود :
- باعتباره أصبح مؤسسة قائمة لها اجتماعاتها الدورية التي تؤمن استمرار التحرك .
- وباعتباره ذا صفة قومية مفتوح العضوية لكل المناضلين القوميين أيا ً كان قطرهم , وله أمانة تتمثل فيها كل الساحات العربية , ولا يخفي أن هدفه النهائي الوصول إلى توحيد الناصريين في تنظيم قومي شامل ؛ وبالتالي تتوفر فيه منذ البدء قومية الانطلاقة .
- وباعتباره في نفس الوقت لا يستثني التنظيمات الناصرية القائمة حاليا ً من المشاركة فيه , فإنه يمثل وسيلة مباشرة للحوار معها حول هذا الهدف ويشركها في التفكير في أنسب الطرق للوصول إليه دون حساسيات .
- وباعتباره يخصص لساحة مصر وللناصريين فيها مساحة كبيرة في تركيبته وفي قيادته تتناسب مع حجمها وأهميتها ودورها المركزي في العمل القومي , وهذه نقطة مهمة جدا ً في نجاح أي مشروع قومي سبق وأن أثرنا حولها نقاشا ً مطولا ً في منتدى الفكر القومي العربي كما أشار إليها باقتدار د. صفوت حاتم في دراسته القيمة " الحركة العربية الواحدة " المنشورة في منتدى الوثيقة الفكرية الناصرية وأنصح بالرجوع إليها .
إلا أنه من جهة أخرى لايمكن تجاهل المشاكل التي تعطل دور المؤتمر الناصري والتي تتمثل أساسا ً في الخلافات المزمنة في صفوف الناصريين من ساحة مصر وتفشي ظواهر النرجسية وعدم تقبل الرأي الآخر وربما أيضا ً حسابات الساحة والطموح إلى دور شخصي فيها , الأمر الذي يحول دون التحضير الجيد له ويعرقل مجرياته وينعكس سلبا ً على نتائجه . ولكن تمسك العناصر القومية بهذا المؤتمر واستمراريته وعدم تورطهم في الانحيازلأي طرف كان إلا بمقدار الالتزام بالمبادئ التي حكمت قيامه سيساعد هؤلاء الإخوة على تجاوز أوضاعهم السلبية وأخذ دورهم المطلوب بإلحاح .
إضافة إلى المؤتمر الناصري وتدعيما ً له وبديلا ً احتياطيا ً لو تعثرت تجربته – لا سمح الله - , وكخطوة تمهيدية توفر إطارا ً آخر للحوار في المعطيات التي أشرت إليها وتسهم في ولادة سليمة للتنظيم المنشود وتتحول إلى منظمة من منظماته بعد قيامه , أقترح قيام تجمع قومي عربي شعبي في المهجر أساسا ً تنصهر فيه كل التجمعات الملتزمة بالخط القومي العربي هناك ويلم كل العناصر القومية المبعثرة دون التزام في المهجر والوطن العربي , ويكون موقع الفكر القومي العربي صوته الناطق , وتقوم بالتحضير لمؤتمره التأسيسي اللجنة المقترحة بإشراف د. جمال الصباغ والتي يمكن من الآن أن تشارك في أعمال الدورة القادمة من المؤتمر الناصري .
إن هذا التجمع الذي أقترح له تسمية ً " رابطة الوحدويين العرب في المهجر والوطن " أو أية تسمية أخرى يرتأيها مؤتمره , يمكن أن يقوم بدور مماثل للدور القومي الذي لعبته " رابطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين " في السابق التي احتضنت العمل القومي الذي أنشأه عبد الناصر – وكانت بالأصل بنتا ً له – بعدما وجه له السادات بانقلابه المشؤوم ضربة في الصميم في قاعدة انطلاقه ومقر قيادته ؛ حيث استعاد هذا العمل في ظلال الرابطة تواصل أجزائه التي تبعثرت وعقد مؤتمراته الأولى على هامش معسكراتها ليستأنف مسيرته من جديد .
إن معيار الانتماء لهذا التجمع المقترح سيكون ذات المبادئ التي تتصدر موقع الفكر القومي العربي وبذلك سيتسع لكل العناصر المؤمنة بها حتى ولو لم تتخذ الناصرية تسمية لها , وبالتالي سيتسع هذا التجمع لتنوع الآراء بل واختلافها في إطار الالتزام بالمبادئ الأساسية المذكورة , وسيكون ساحة للحوار الخلاق ووسيلة للمراجعة النقدية وتجديد الفكر القومي بما يتلاءم مع معطيات المرحلة الراهنة ومهامها . كما سيكون ساحة تواصل مع الأجيال الجديدة واستيعاب لاهتماماتهم وبناء خطاب مشترك معهم , كذلك سيكون في مقدمة اهتماماته الانغراس مرة أخرى في تربة الجماهير الشعبية والتفاعل معها والتعبير عن مصالحها . وأيضا ً سيكون ساحة لبلورة المواقف المبدأية والعملية من القضايا العربية الساخنة وللتواصل مع حركات المقاومة العربية للاحتلال ولإعلاء كل أشكال التصدي لمخططات قوى العدوان على الأمة والوطن , وسيكون منبرا ً للدفاع عن حقوق الإنسان العربي المقهور والمظلوم ورأس حربة في مقاومة الاستبداد والفساد المعشش في الأنظمة العربية وطليعة للتغيير نحو مجتمع الديموقراطية والعدل .
بهذا نكون – في اعتقادي – قد خطونا خطوة كبيرة ومتزنة تفتح الطريق إلى ذلك الهدف الكبير المنشود , والأمر كله في النهاية يعود إلى انعقاد عزم الجماعة على هذا الأمر ومنوط بقناعتها الحرة المبنية على تقليب الأمر على كل وجوهه ومناقشته بكل جدية وتعمق ؛ لذلك أرجو من كل أخ قرأ هذه السطور أن يعيد قراءتها من جديد بروية وتدبر وأن يبدي رأيه في أفكارها بدون مجاملة لنصل معا ً إلى التصور الأسلم إن شاء الله .

د. خالد الناصر 6 / 4 / 2005
_________________
د. خالد الناصر
طبيب / كاتب / باحث في الشؤون القومي



قراءات: [ 1795 ] طباعة: [ 37 ]        
 
عودة إلى:   طباعة الموضوع     إكتب تعليقك على الموضوع        
أضف تعليقك
::الإسم:  
:: البريد الإلكتروني:    
:: التعليق: