قمع ثورات الربيع الأوروبي فى فرنسا !!
2018-11-28 | منذ 2 أسبوع
د. محمد سيد احمد
د. محمد سيد احمد

 

لابد من التأكيد فى البداية أن ما تشهده فرنسا اليوم من احتجاجات " السترات الصفراء " هو تطور جديد لما يطلق عليه الثورات الملونة أو الربيع الزائف, وهى ثورات مدروسة ومعد لها سلفا من أجل تحقيق الفوضى داخل القطر الذى تحدث فيه, لكن نتائجها فى النهاية تصب لصالح مجتمع آخر, وهى طريقة استحدثتها الولايات المتحدة الأمريكية فى مطلع القرن الحادى والعشرين بديلا عن المواجهات العسكرية المباشرة, فى إطار ما يعرف بالجيل الرابع للحروب, وذلك لتحقيق مصالحها فى مواجهة أى مجتمع يحاول مناوئة سياساتها الامبريالية الجديدة, أو الخروج على النهج المرسوم له من قبل صانع القرار فى واشنطن.

 والثورات الملونة أو الربيع الزائف كما اتفق على تعريفه هو احتجاجات سلمية وحركات مطلبيه أو عصيان مدنى يحدث فى بعض الدول , وعادة ما يستخدم المشاركون فى هذه الاحتجاجات أعلاما أو رايات أو أوشحة بلون معين رافعين شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية,  فى مواجهة حكومات بلادهم مطالبين بإسقاط النظام, ومن أبرز الثورات الملونة  التى شهدها القرن الواحد والعشرون تلك الثورات التى انفجرت فى مجموعة الدول الشيوعية التى كانت فى الماضى القريب ضمن الاتحاد السوفيتى, ولا يخفى على أحد أن هذه الدول كانت مناوئة للغرب الرأسمالى وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية, لذلك وجب تقليم أظافرها, وعقابها كمقدمة للسيطرة عليها وفرض الهيمنة الأمريكية على حكامها الجدد, لتنفيذ الاجندة الامبريالية عبر السياسات الرأسمالية التى تقترحها صندوق النقد الدولى.

ومن أبرز الثورات الملونة التى رفعت شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية الثورة الوردية فى جورجيا عام 2003, والثورة البرتقالية فى أوكرانيا 2004, وثورة التوليب أو الخزامى فى قيرغيزيا عام 2005, وفى نفس العام انتقلت هذه الثورات الملونة الى دولة عربية صغيرة هى لبنان, فى أعقاب اغتيال رئيس وزراءها رفيق الحريرى, فخرجت التظاهرات للشارع اللبنانى تحت شعار ثورة الأرز, ومن لبنان الى ميانمار فى عام 2007 تحت مسمى ثورة الزعفران, ثم انتقلت الى التيبيت فى 2008 تحت مسمى الثورة القرمزية, ثم عادت مرة أخرى الى الشارع العربي مع نهاية العام 2010 وبداية العام 2011 وبشكل موسع فى عدة دول كان أولها تونس تحت مسمى ثورة الياسمين ومنها الى مصر وليبيا واليمن وسوريا فأطلق عليها ثورات الربيع العربي المزعوم.

وبالطبع لم تحدث هذه الثورات بشكل عفوى وبنفس السيناريو تقريبا فى كل دولة, بل كان هناك مدبر ومخطط واحد لهذه الثورات الملونة أو الربيع المزيف وهو الولايات المتحدة الأمريكية المستفيد الوحيد والأوحد من كل ما حدث, وإذا كانت الثورات المزعومة السابقة كلها يحاول العدو الأمريكى أن يضع نفسه بعيدا عنها, فإن السياسة الأمريكية الجديدة وعبر رئيسها الفج ترامب لم يعد يخفى الدور الأمريكى المدبر والمخطط لهذه الثورات, والجديد فى الثورات الملونة التى تنطلق اليوم فى فرنسا وتنتقل عدوتها سريعا الى بلجيكا, ومن المرشح أن تعم دول الاتحاد الأوروبي أنها تتم مع الحلفاء الذين كانوا شركاء فى دعم السياسة الامبريالية الامريكية ضد المجتمعات المناوئة لهذه السياسات, والذين كانوا يصفون فى الأمس القريب ما يحدث بأنه ثورات حقيقية, وقواعد الديمقراطية تقول أن على حكام هذه المجتمعات أن ينصاعوا إليها وينفذون مطالبها.

فرنسا أحد أهم شركاء الولايات المتحدة الأمريكية وأحد الدول الداعمة للديمقراطية الغربية المزعومة, كانت دائما فى صدارة الدول الداعمة للثورات الملونة وكان قادتها السياسيين يتصدرون وسائل الإعلام العالمية دفاعا عن المشاركين فى الاحتجاجات السلمية والحركات المطلبيه أو العصيان المدنى وكانوا يصفون الحكومات بالدكتاتورية ويطالبون الحكام الذين يتصدون لهذه الحركات بالرحيل لعجزهم عن تلبية مطالب الثوار, ومواجهة الاحتجاجات بالعنف, اليوم فرنسا تشرب من نفس الكأس, حيث انطلقت موجة الربيع الأوروبي من الأرض الفرنسية, وبنفس الاسلوب وبنفس الطريقة وبنفس التكتيكات.

 حركة احتجاجية منظمة  ترتدى السترات الصفراء وتنطلق فى طول وعرض البلاد بمشاركة ما يقرب من 300 ألف متظاهر سلمى, ومن قلب العاصمة باريس ومن أهم شوارعها الشانزليزيه يقف ما يقرب من 30 ألف متظاهر, معترضين على رفع أسعار المحروقات وعلى الضرائب الجديدة, فتقوم قوات الأمن بتفريقهم بالغاز المسيل للدموع, ثم تتطور الأحداث فيتم استخدام الرصاص الحى فيسقط الضحايا ما بين قتيل وجريح كانوا فى اليوم الأول قتيلان و 97 جريح بينهم 17 مصاب فى حالة حرجة, هذا الى جانب حملة واسعة من الاعتقالات وصلت الى 1132 معتقل, فتطورت هتافات الثوار الى " ارحل يا ماكرون " و " الثورة مستمرة ".

وفى هذا المشهد الدراماتيكى يطل علينا الرئيس الأمريكى ترامب وعبر تغريداته الشهيرة على موقع التواصل الاجتماعى تويتر, ليؤكد " أن الاحتجاجات الفرنسية الكبيرة والعنيفة لا تأخذ فى حسبانها كيف كان التعامل سيئا مع الولايات المتحدة من قبل الاتحاد الأوروبي بالنسبة للتجارة والثمن المعقول للحماية العسكرية العظيمة التى نوفرها, هذان الموضوعان يجب معالجتهما قريبا ", وفي اليوم التالى مباشرة لهذه التغريدة يطلق أخرى تقول " أن أوروبا عليها أن تدفع حصة عادلة من أجل حمايتها العسكرية, فالاتحاد الأوروبي استغلنا لسنوات طويلة على صعيد التجارة, وبعدها لا يقدمون التزاماتهم العسكرية عبر الناتو, الأمور يجب أن تتغير سريعا ", ما يتعرض له الاتحاد الأوروبي الشريك والحليف الاستراتيجى للولايات المتحدة هو نفس الكأس الذى شربت منه قبل قليل تركيا وقطر والسعودية نفس التهديدات الصريحة, رغم أن الجميع شارك فى تخريب وتدمير مجتمعاتنا العربية بحجة الربيع العربي المزعوم.

والسؤال الآن متى يفيق حكامنا وإعلامنا الوطنى الذى سوق للثورات الملونة دون محاولة كشفها, ولماذا لم نسمع حتى الآن أى إدانة للقمع الفرنسي لثورة السترات الصفراء السلمية, أم أنه حلال لهم حرام علينا, ليس تشفيا لكن من تجرعنا من كأسه المرارة لابد أن يذوقها يوما, اللهم بلغت اللهم فاشهد.          

      

 



مقالات أخرى للكاتب

  • سورية الصداع الأكبر فى رأس العدو الصهيوني !!
  • المقاومة الفلسطينية تنتصر على العدو الصهيونى !!
  • اختلال منظومة القيم تجاه العدو الصهيونى !!

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    26,305,102