خمسة وعشرون عاماً على اتفاقية أوسلو
2018-09-18 | منذ 3 شهر
د. يوسف مكى
د. يوسف مكى

 

شكل توقيع اتفاقية أوسلو 13 سبتمبر/ أيلول عام 1993، انتقالاً رئيسياً في كفاح الفلسطينيين من أجل استرداد حقوقهم، والعودة إلى ديارهم، وتثبيت هويتهم، وإقامة دولتهم المستقلة. وبموجب هذا الاتفاق سلم الضحية للمحتل، بمشروعية اغتصاب فلسطين، وعزز ذلك بتنازل قانوني مكتوب ومصدق عليه من قبل منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وبعد ربع قرن من توقيع هذه الاتفاقية أكدت نتائجها أن المشروع الصهيوني هو مشروع حرب، متنكر للحقوق الفلسطينية، وغير قابل للتراجع عن نهجه التوسعي العنصري.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن آثار هذه الاتفاقية على القضية الفلسطينية، لا تقل خطورة عن تلك التي تركها وعد بلفورالمشؤوم. فقد شكلت انقلاباً حاداً في المفاهيم التي سادت، منذ بدأ الصراع مع الصهاينة، وطوت صفحة في النضال الفلسطيني، لإنهاء الاحتلال.

لم يتضمن اتفاق أوسلو اعترافاً صريحاً بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على التراب الفلسطيني. وكل ما حصل الفلسطينيون عليه لا يشمل السيطرة على الأرض.

ومنذ توقيع اتفاقية أوسلو، واصل الاحتلال مطاردته للمقاومين الفلسطينيين، في مناطق السلطة. واعتبر الكيان والراعي الأمريكي للاتفاق، السلطة الفلسطينية شريكاً فعلياً في هذه المطاردة. وقد أدى ذلك إلى تخفيف الأعباء عن أجهزة الاحتلال، وإحالة تبعة ذلك للسلطة الفلسطينية، مع ضمان بقاء الاحتلال على أراضي الضفة والقطاع.

ووفقاً لروح هذا الاتفاق تعهد عرفات بتعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، وحذف ما يسيء إلى الكيان الغاصب، من بنوده.

ولم يعترف اتفاق أوسلو للاجئين الفلسطينيين بحق العودة، أو الانتماء، والإقامة في الدولة الفلسطينية المرتقبة. ولم يأت على ذكر لاجئي عام 1948 إطلاقاً. وفي ما يخص لاجئي عام 1967، يقول البند الثاني عشر من الاتفاقية إن «إسرائيل» والفلسطينيين سيدعوان الأردن ومصر لوضع ترتيبات من بينها «تكوين لجنة متابعة ستقرر من خلال اتفاقية ماهية صيغة الدخول لأشخاص شردوا من الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967». وهكذا فإن الكلام هنا لا يعدو تنظيم عودة أشخاص، وليس الألوف من اللاجئين. ولم تتعرض الاتفاقية مطلقاً للمستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة.

وفي ما يتعلق بمستقبل القدس الشرقية، فإن الاتفاقية لم تشر في أي من بنودها إلى حق الفلسطينيين في السيادة عليها، أو على أي جزء منها. بل على العكس، فإن المسؤولين «الإسرائيليين» ما انفكوا يصرحون بمناسبة، وبغير مناسبة، بأن القدس ستبقى موحدة، وستبقى العاصمة الأبدية لدولة «إسرائيل».

وبالمثل، اتخذ الراعي الأمريكي لاتفاق أوسلو، وعلى لسان الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، موقفاً متحيزاً للكيان من مسألة القدس، فأعلن أمام ممثلي المنظمات اليهودية- الأمريكية أنه «يؤمن بالقدس الموحدة عاصمة «لإسرائيل»». وبلغ الموقف المتحيز للعدوان قمته بإعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نقل سفارة بلاده إلى القدس، والامتناع عن تقديم الدعم لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وتحديد مفهوم جديد للاجئ الفلسطيني، لا يشمل الفلسطينيين الذين ولدوا في الشتات.

ولا شك في أن أحد النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، هو التنافس الحاد بين «حماس» و»فتح» على السلطة. لقد نجح الكيان في زج أكبر حركتي مقاومة في الصراع على الوهم. وأدى ذلك إلى انفصال غزة، عن رام الله. وهكذا بات لدى الفلسطينيين سلطتين، في ظل الاحتلال.

وكان لهذا الانفصال تأثيره المباشر، ليس في تفتيت وحدة النضال الفلسطيني فقط، بل وعزل الشعب الفلسطيني في القطاع وغزة، عن بعضه بعضاً. وأيضاً تسببه بالحصار المستمر لقطاع غزة الذي استمر أكثر من عشر سنوات.

لقد أسهم اتفاق أوسلو في تسريع عمليات التطبيع، انسجاماً مع المقولة التي سادت منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، لدى الكثير من القيادات العربية بأنهم يقبلون بما تقبل به القيادة الفلسطينية.

كما أعاد توقيع اتفاقية أوسلو النظام الذي صنف بالشرق أوسطي إلى الواجهة. وكان هذا الطرح قد بدأ على نحو جاد، وإن كان جزئياً، إثر توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر والكيان الغاصب في مارس/ آذار 1979. وفي هذا السياق، أشار أبا إيبان، وزير خارجية «إسرائيل» الأسبق، إلى أن الضمان الأساسي لأي اتفاق سلام بين الفلسطينيين و»الإسرائيليين»، هو إنشاء شبكة كثيفة من العلاقات الاقتصادية بين «إسرائيل» والبلدان العربية. وكان شيمون بيريز جدد مطالبته أثناء توقيع اتفاق أوسلو ببناء شرق أوسط، من خلال إنشاء سوق شرق أوسطية مشتركة على أساس المياه والسياحة، مثلما قامت السوق الأوروبية المشتركة على الفحم والصلب.

وتواصل الحديث عن شرق أوسط جديد بعد احتلال العراق، عام 2003 على لسان وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، ومرة أخرى أثناء حرب يوليو/ تموز على لبنان، عام 2006م، على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس. وفي الحالتين، اعتبر رامسفيلد احتلال العراق، ورايس الحرب على لبنان، مخاضاً لولادة جديدة لشرق أوسط جديد.

تغيير معادلة أوسلو، هي رهن بوحدة الفلسطينيين، وتمسكهم بثوابتهم الوطنية.

yousifmakki2010@gmail.com

د. يوسف مكي

رئيس تحرير موقع التجديد العربي

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • «السترات الصفراء».. هبّة أم ثورة جياع؟
  • قرن على نهاية الحرب العالمية الأولى
  • الفيدراليات مشاريع تفتيت

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    26,262,163