المال الخليجي ودوره في نشر الفكر الأصولي في العديد من البلدان العربية
2018-09-13 | منذ 1 أسبوع
محمد علي شعبان
محمد علي شعبان

 

بعد الانكفاء عن النشاط الفكري و السياسي ،الذي حصل في المنطقة العربية منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي ،و استقرار السلطات في حينها ...

بعد الانكفاء عن النشاط الفكري و السياسي ،الذي حصل في المنطقة العربية منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي ،و استقرار السلطات في حينها لجهة وقف الحرب ضد الكيان الصهيوني ،و ذهاب مصر إلى إبرام اتفاقية كامب ديفد التي شكلت الضربة القاضية للمشروع القومي العربي ،الذي تبنته العديد من دول المنطقة و في مقدمتهم مصر، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر،  و ذهبت السلطات  العربية إلى ترتيب أوراقها الداخلية ،بعيدا عن الهدف العربي الأساسي و هو تحرير الأراضي الفلسطينية،  و عودة الشعب الفلسطيني المهجر إلى أرضه. لكن المصالح القطرية الضيقة و مسألة الحفاظ على السلطة كان لها الأولوية في العديد من البلدان.

و كان للدول النفطية الدور الأسوأ في كل ذلك،  حيث عملت السعودية على تغيير الهدف و حرف البوصلة عن القضية الفلسطينية و أهميتها .إلى اعتبارأن الخطر الشيوعي القادم من الشرق و الذي انتشر في العديد من الأقطار العربية، هو الخطر الأول الذي يواجه المنطقة العربية،وليس الكيان الصهيوني الغاصب والمحتل .و استنفرت لذلك دور الإفتاء في المملكة العربية السعودية لزرع الرعب بالمجتمعات العربية من المد الاشتراكي الذي يشكل الخطر الأكبر على الدين الإسلامي بحجة الإلحاد.

و ساعد ذلك العديد من مثقفي و سياسيي الطابور الخامس ،الممولين و المرتبطين بالرجعيات العربية بالإضافة إلى العديد من الأسر الإقطاعية التي ناصرت العداء لفكرة الاشتراكية باعتبارها عدوة الإقطاعيين و خاصة بعد قانون الإصلاح الزراعي و توزيع الأراضي على الفلاحين.

ترافق ذلك مع دعم مالي للحركات الدينية، في بعض البلدان كسوريا و العراق و مصر و الجزائر من قبل الأنظمة الرجعية وفي مقدمتهم السعودية ،التي عملت جاهدة لمحاربة أي حركة يسارية ،قومية كانت أو ماركسية،  بكافة السبل المتاحة،  و استمر نشاطها في دعم الحركات الإسلامية التي بدأت ،تنشر الفكر الوهابي  مستخدمة نفوذها المالي في لحظات حاجة المجتمع إلى أدنى شروط الحياة،  فوجدت التربة الخصبة في بعض الأرياف المفقرة و المتخلفة و المهمشة ،من قبل السلطات ،و الحكومات ،التي لم تقدم لها ما يجعلها تستمر في الحياة،  ففتحت السعودية أبوابها لهؤلاء المهمشين و أغرقتهم بالأموال حتى أصبح بعضهم يحلم أن يكون أميرا. و يكن العداء للأنظمة الجمهورية التي جوعته و همشته، و أصبح مفهوم الدولة بالنسبة له هو مفهوم تجويع و إهمال و أصبحت الأنظمة الخليجية الملكية تقدم له البديل الأرقى .باعتبارها تدعي  تطبيق الشريعة الإسلامية على رعيتها الذي نقل هؤلاء من الجوع و القهر إلى التمتع بأفخم السيارات و المنازل،  و وفاء منهم لأسباب انتقالهم،  ثم استغلالهم من قبل تلك الأنظمة الرجعية بإيديولوجيا إسلامية، ليشكلوا النواة الأولى لداعش و النصرة و غيرها من الأسماء المتعددة شكلا و موضوعا.

بيد أن الحياة لا تملأ بالفراغ أبدا، فأصبح المواطن العادي بين خطابين: الأول خطاب السلطة التي مارست عليه القمع و الإلغاء و التهميش و الإقصاء و الاعتقال إذا اقتضت الضرورة،  و الثاني الذي تمثله الطبقة التي تعتاش على الاقتصاد النفطي بأقل جهد و أكثر ثروة،  و أصبح الطرفان متفقان على إقرار كل منهم بالأخير شريطة ألا يشكل أي طرف منهما ضغط على الآخر،  فكل منهما لديه أوراق للضغط، . فأقيمت بينهما هدنة غير موثقة معترفا بها ضمنا ،و ذهب ضحيتها الكتلة الاجتماعية الواسعة الغير مقتنعة بدور السلطة ،و ليس بمقدورها فعل أي شيء يخفف من تغولها و عسفها.

و غير مقتنعة أيضا بسلوك الكتلة الأخرى التي ارتبطت ماليا و فكريا بدول الرجعيات العربية .و بناء على موقف هذه الكتلة أصبحت هدفا عند الكتلتين للنيل منها ،اللتان تمتلكان المال و الثروة و السلطة،  و لم تسلم هذه الكتلة من الإدانة و الاتهام،  تارة بالجبن و تارة بالتبعية،  لكنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها لعدم امتلاكها أي حرية أو وسيلة إعلامية مستقلة ،تمكنها من إيصال صوتها، وليس غريبا أن  وعي الأنظمة الغير ديمقراطية. تمكنها جيدا من معرفة من أين يأتيها الخطر.

لذلك تبنت السلطة سلوك التقسيم و التضييق و تشظي الكتلة الاجتماعية التي تشكل الخطورة القصوى عليها ،بسبب امتلاك هذه الكتلة لنخب ثقافية و علمية و سياسية رائدة ،تتميز بمصداقية عالية و سلوك أخلاقي و إنساني ،لا يتوفر عند أي طرف آخر من الطرفين الآخرين،  و نتيجة للضغط المتواصل على هذه النخب و الأوضاع الاقتصادية المتردية و عدم وجود عمل بالقطاعات العامة إلا لمن يوالي إحدى الكتلتين،  فأصبح الجزء الأكبر من هذه النخبة في حالة موت سريري و عزوف عن العمل بالشأن العام نتيجة الأوضاع القاسية التي كانت تعيشها، هكذا تشكلت الأرضية المناسبة لظهور التطرف الديني بسبب عدم قدرة السلطة فكريا على ملء الفراغ و محاولة فعل ذلك بالعنف و الإقصاء،  عوضا عن إتاحة المجال للنخب الثقافية و دعمها لتتمكن من هزيمة التطرف الديني باعتبارها هي القادرة على هزيمته ثقافيا و سياسيا.

محمد علي شعبان

كاتب من سوريا

عن موقع الغربال أنفو



مقالات أخرى للكاتب

  • الدول النفطية ودوها في دعم الثورات المضادة “الربيع العربي”
  • عقد جديد بين الإدارة الأمريكية والسعودية للخروج من اليمن

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,087,904