عمران خان .. لسه الأمانى ممكنة !!
2018-08-29 | منذ 4 أسبوع
د. محمد سيد احمد
د. محمد سيد احمد

 

عمران خان هو رئيس وزراء ثانى أكبر دولة إسلامية بعد اندونيسيا وهى باكستان التى يتجاوز عدد سكانها 200 مليون نسمة, وهى دولة كانت فى الماضى جزء من شبه القارة الهندية التى قامت بريطانيا باحتلالها عام 1858 وعرفت منذ ذلك التاريخ بالهند البريطانية أى أنها تحت حكم التاج البريطانى, وفى بدايات القرن العشرين بدأت حركات التحرر الوطنى فى الظهور, وكان من بينها حزب المؤتمر القومى الهندى الذى جمع فى بداية عهده العديد من زعماء الهند المسلمين والهندوس من أمثال محمد على جناح وأحمد خان وجواهر لال نهرو لكن سرعان ما تكشف لزعماء المسلمين نوايا الهندوس فى السيطرة والهيمنة على الحزب, لذلك قام أحمد خان بتحريض المسلمين على عدم الانضمام لحزب المؤتمر وقام بتأسيس المؤتمر التعليمى الإسلامى الذى انبثق عنه لاحقا حزب الرابطة الاسلامية فى عام 1906 والذى أخذ على عاتقه قيام دولة خاصة بالمسلمين.

وفى عام 1920 قرر محمد على جناح أن يقطع علاقته نهائيا بحزب المؤتمر القومى الهندى, ليترأس حزب الرابطة الإسلامية وبدأ فى المطالبة بتشريعات تضمن للمسلمين حماية دينهم ولغتهم ( الأردية ), ثم صعد لاحقا مطالبه فى اجتماع للرابطة بمدينة لاهور عام 1940 ودعا فيه الى تقسيم شبه القارة الهندية الى دولتين هما الهند وباكستان على أن تضم الثانية مسلمى الهند, ولقى هذا الإعلان تأييدا واسعا من قبل المسلمين, ووقعت على أثره العديد من المصادمات بين المسلمين والهندوس فى منتصف الأربعينيات من القرن العشرين, مما جعل بريطانيا وحزب المؤتمر القومى الهندى يوافقان على إجراء عملية تقسيم الهند, وحاول المهاتما غاندى إقناع محمد على جناح بالعدول عن فكرة التقسيم لأنها ليست فى صالح الهند بل هى خدمة للمشروع الاستعمارى الغربي وعرض عليه منصب رئيس أول جمهورية للهند المتحدة لكن جناح رفض, ولم يستسلم غاندى فأخذ يدعو الى الوحدة الوطنية بين الهندوس والمسلمين مطالبا الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة,لكنه فشل ودفع حياته ثمن لدعوته هذه حيث قام أحد المتعصبين الهندوس باغتياله بتهمة الخيانة العظمى عام 1948.

وفى 14 أغسطس 1947 أصبحت باكستان دولة مستقلة من دول رابطة الشعوب البريطانية ( الكومنولث ) كما حصلت الهند على استقلالها فى اليوم التالى لهذا التاريخ, وأصبح محمد على جناح مؤسس باكستان أول رئيس حكومة لها, ومنذ الاستقلال لم تهدأ الأوضاع فى باكستان وشهدت العديد من الصراعات والانقلابات على السلطة ثم حرب أهلية أسفرت فى عام 1971 عن انقسام جديد حيث استقلت باكستان الشرقية وأصبحت دولة بنجلاديش, واستطاعت الولايات المتحدة الأمريكية القوى الاستعمارية الجديدة فى العالم أن تسيطر على السياسة الباكستانية وتستقطب قيادتها لتنفيذ اجندتها سواء بالداخل الباكستانى بإبقائها فى حالة تبعية من خلال الدوران فى فلك النظام الرأسمالى والبعد عن النظام الاشتراكى, أو بالخارج عبر دعم القوى الاسلامية فى افغانستان التى  كانت تدعمها الولايات المتحدة بعد الاجتياح السوفيتى لأفغانستان فى عام 1979, ثم شاركت في الغزو الأمريكى لأفغانستان والذى بدأ فى أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية وتكبدت خسائر فادحة فى الأرواح والأموال, وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسي والاكتظاظ السكانى والفقر والأمية والفساد والإرهاب إلا أن باكستان استطاعت أن تصبح دولة نووية ولديها جيش يقع فى مرتبة متقدمة ضمن أكبر 10 جيوش فى العالم.

وفى 18 أغسطس الماضى أصبح عمران خان رئيسا لوزراء باكستان وهو لاعب كريكت دولى سابق اعتزال فى عام 1992 وأسس فى أبريل 1996 حزب حركة الإنصاف وتولى رأسته وظل الحزب محدود الجماهيرية فلم يحصل إلا على مقعد واحد بالبرلمان لعمران خان نفسه فى نوفمبر عام 2002 وحتى أكتوبر 2007 , وخلال السنوات الأخيرة بعد العام 2011 ارتفعت أسهم الحزب وشعبيته وتمكن من الحصول على الأغلبية فى الانتخابات العامة الباكستانية 2018, وبمجرد تنصيب عمران خان رئيسا للوزراء أعلن عن سياسة باكستانية جديدة سواء على المستوى الداخلى أو الخارجى, فمنذ البداية قرر الرجل انحيازه التام للفقراء والكادحين الذين يشكلون الغالبية العظمى من الشعب الباكستانى, وقرر التخلى تدريجيا عن السياسة الرأسمالية التى تعتمد على المنح والقروض فى مقابل الاعتماد على الذات وتشجيع الاستثمار الداخلى وتحفيز قيم العمل, و تفعيل نظام تصاعدى للضرائب ومطاردة الأغنياء المتهربين من الضرائب, وتطبيق نظام جديد للرعاية الاجتماعية, واعادة تشكيل الهوية الباكستانية, وتحقيق الاكتفاء الذاتى, ومحاربة الفساد, وتقليص مستويات الدين العام, والحفاظ على المال العام, وتطبيق سياسة تقشفية, وبدأ الرجل بنفسه حيث أعلن تخليه عن القصر المخصص له وتحويله الى متحف والعيش فى بيت صغير مكون من ثلاثة غرف فقط, والتخلص من جيش الخدم المكون من 524 خادمة والإبقاء على خادمتين فقط, وبيع اسطول السيارات المضادة للرصاص المخصصة له.

أما على المستوى الخارجى فقد كانت تصريحات عمران خان صادمة للغرب الرأسمالى فقد صرح الرجل بأن باكستان قد بدأت مرحلة جديدة مستقلة, وعلى الولايات المتحدة الأمريكية أن تفهم أن باكستان صديقة وليست عميلة, ولن نكون حلفاء فى أى حروب قادمة, فقط سنكون حلفاء فى السلام, ولابد من انهاء الحل العسكرى فى افغانستان ليحل محله الحل السياسي, لقد مات خمسون ألف باكستانى فى افغانستان, ودخل التطرف الى بلادنا ونحن أقل أمناً من أى وقت مضى, وفى الوقت الذى خسرنا فيه 80 مليار دولار فى هذه الحرب لم تخسر الولايات المتحدة الأمريكية غير 20 مليار دولار فقط, وأكد على رفضه الالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران وأنه سيزور طهران والرياض معا فى أولى جولاته الخارجية ليؤكد أن هذه الحروب الطائفية مصطنعة لتقسيم وتفتيت وإضعاف الدول الاسلامية, ومن المعروف عنه أنه كان من أشد المعارضين للغزو الأمريكى للعراق, ومعارض شرس للبلطجة الصهيونية ضد الشعب الفلسطينى, ومن الداعمين للمقاومة الفلسطينية واللبنانية.

لعل هذا النموذج الذى فاجئنا به عمران خان سواء عبر السياسات والإجراءات التى يسعى لتحقيقها على المستوى الداخلى أو الخارجى تجعلنا نخرج من حالة اليأس والاكتئاب التى تملكتنا بفعل القادة العرب الذين فشلوا فى مواجهة الفساد بالداخل وعجزوا عن مواجهة البلطجة الأمريكية والصهيونية بالخارج لنقول " لسه الأمانى ممكنة " فهناك بعض القادة فى العالم الاسلامى بإمكانهم إعلان التحدى والصمود والمقاومة والعمل لصالح شعوبهم متمنين أن تنتقل العدوى الى قادة جدد داخل العالم العربي والإسلامى, اللهم بلغت اللهم فاشهد.                         



مقالات أخرى للكاتب

  • سورية .. أخر الحصون العربية الصامدة !!
  • معرض دمشق الدولى .. ومعركة إدلب !!
  • الحج الى بيت الله الحرام ممنوع !!

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,088,260