مسيرات العودة والقرار الدولي 194
2018-05-07 | منذ 2 شهر
عوني فرسخ
عوني فرسخ

 

في يوم الجمعة الثلاثين من شهر مارس / آذار الماضي أحيت جماهير الشعب العربي الفلسطيني الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض بمسيرات وفعاليات شارك فيها عشرات الألوف من مختلف الأعمار ، مؤكدين التزامهم بالثوابت الوطنية ، وخيار المقاومة ، ورفض كل المعاهدات والاتفاقيات التي تمس الحقوق الوطنية المشروعة بموجب الإعلان العالمي لحقوق الانسان ، وقرارات الأمم المتحدة ، والقانون الدولي . وتوالت في كل يوم جمعة تالِ مسيرات وطنية في قطاع غزة المحاصر مجمعة على تأكيد عروبة القدس، وحق اللاجئين بالعودة.

وكانت الجمعية العامة للامم المتحدة قد أصدرت في 11/12/1948 القرار رقم 194/3 لسنة 1948 استنادا الى التقرير الذي كان قد أعده الوسيط الدولي الكونت فولك برنادوت ، متضمنا اعتبار منطقة النقب جزءا من القسم المخصص لعرب فلسطين بموجب قرار التقسيم رقم 181 لسنة 1947 . وقد نصت الفقرة (11) من القرار رقم 194/3 على السماح للاجئين الراغبين بالعودة الى وطنهم ، والعيش بسلام مع جيرانهم ، ودفع تعويض لممتلكات الذين لا يرغبون بالعودة ، كما عن الأضرار التي لحقت بممتلكات الراغبين في العودة بناء على قواعد القانون الدولي . ولمتابعة تنفيذ ذلك شكلت الجمعية العامة "لجنة التوفيق الدولية" من ممثلي الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا ، وأسندت لها مهمة تسهيل عودة اللاجئين والتعويض عليهم بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة الأخرى .

فيما يؤكد استاذ التاريخ الأمريكي مايكل فشباخ بأنه لا يوجد اي دليل على أن اللجنة ضغطت على إسرائيل لتغيير موقفها من رفض تنفيذ القرار الدولي ، وإنه ليس هناك ما يشير الى أن لجنة التوفيق عادت الى أمين عام الأمم المتحدة ، وإلى مجلس الأمن الدولي ، حول امتناع إسرائيل عن تنفيذ القرار 194 الذي قبلت عضوا في المنظمة الدولية بعد إعلانها الالتزام بتنفيذه . وفي هذا دلالة واضحة على تخلي لجنة التوفيق عن المهمة التي أٌسندت اليها بتسيير عودة اللاجئين ، والإنصراف الى البحث في إمكان توطينهم . ما يدل على تواطؤ اللجنة الدولية مع إسرائيل ضد الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني ، كما على سكوت أمين عام الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي على ذلك التواطؤ المخل بالقرار الدولي .

ثم إن القرار 194 لم يستحدث للاجئين حقا بالعودة ، وإنما جاء مؤكدا حقهم بذلك بموجب المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الانسان . وذلك ما نصت عليه أيضا المادة (12) من الاتفاقية الدولية لحقوق الانسان المدنية والسياسية . وقد تضمنت اتفاقية جنيف لسنة 1949 أحكاما تتعلق بحق العودة في حالات الاحتلال العسكري والنزاع المسلح .

وصحيح إن القرار 194 صادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة ، التي ليس لها إصدار القرارات الملزمة للدول الأعضاء . إلا أن حق عودة اللاجئين وثيق للصلة بحق تقرير المصير . فضلا عن تكرار التأكيد عليه بأغلبية كبرى في الجمعية العامة في السنوات التالية ، ما حوًله الى عرف دولي ملزم .

ومنذ العام 1949 والت أغلب إدارات الولايات المتحدة طرح مشروعات لتوطين اللاجئين مستهدفة تصفية حق العودة . وهي المحاولات التي تكسرت على صخرة إصرار اللاجئين على حقهم المشرع بالعودة . والجدير بالتذكير به فشل الرئيس الأمريكي كلينتون بضغطه على القائد الشهيد ياسر عرفات بالتنازل عن القدس وحق العودة في العام 2000 . وقد دفع أبو عمار حياتـــه لرفضه التنازل عن حقوق وطنية مشروعة مستحيل التنازل عنها بأي صورة من الصور .

وعلى مدى السنوات السبعين الماضية واصلت القوى الوطنية الفلسطينية تقديم أغلى التضحيات من دماء الشهداء والجرحى دفاعا عن حق العودة في مواجهة مختلف الضغوط الدولية والاقليمية . كما توالت جهود المفكرين والساسة العرب في إيضاح مدى الظلم البين الذي اوقعه النظام الدولي باللاجئين الفلسطينيين ، وما عانوه وما يزالون من تجاوز لحقوقهم والتمييز ضدهم ما لا حاجة لمزيد من القول والكتابة والإعلان ، ولا لمسيرات غايتها تأكيد هذا الحق الوطني المشروع في القانون والقرارات الدولية . وعليه فالمعضلة التي تواجه الشعب العربي الفلسطيني إنما هي قعود النظام الدولي عن تنفيذ الحق المشروع على مدى العقود السبعة الماضية .

والثابت في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني صحة مقولة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر : ان ما أخذ بالقوة لا يستعاد بغير القوة . وهناك اكثر من حالة فرضت فيها القوة العربية تنفيذ القرارات الدولية التي امتنعت اسرائيل ، بدعم أوروبي وأمريكي ، عن تنفيذ ما يتصل بالحقوق العربية من تلك القرارات . فضلا عن أن إسرائيل باتت فاقدة قوة ردعها ، خاصة بعد فشلها المريع بالعدوان المتكرر على قطاع غزة المحاصر خلال سنوات 2008/2009 و 2012 و 2014 . بل وغدت محكومة بتوازن الرعب في شمالها وجنوبها . وهل أبلغ دلالة على مستوى التحدي الفلسطيني للغطرسة الإسرائيلية من إقدام أهالي قرية العراقيب في النقب المحتل على إعادة بناء قريتهم بأكثر من مائة مرة بعد هدمها من قبل القوات الإسرائيلية .

والسؤال الذي يفرضه الطموح الوطني المشروع لتنفيذ القرار 194 بحق العودة أما غدا ممكنا تحقيقه بقرار فردي فلسطيني ، كأن يبادر بعض شباب مسيرة العودة الكبرى المدعو لها منتصف الشهر الحالي باقتحام الحدود بين القطاع والكيان المحتل ، لتندفع من وراءهم جموع ابناء القطاع في عمق النقب المحتل .

والمرجح عندنا أن هكذا مبادرة شجاعة بفرض حل عربي للقرار الدولي ستكون الخطوة الأولى على طريق التنفيذ العملي لحق العودة الذي طال انتظاره . وكل ما تملكه اسرائيل الإقدام على محاولة رابعة لاقتحام قطاع الصمود والتصدي ، والتي في حكم المؤكد أن تلقى الفشل الذي سبق ان لقيته محاولاتها الثلاث السابقة . وفي تقديرنا ان فرصة مبادرة شباب القطاع بفرض الأمر الواقع العربي هي التحدي الذي تواجهه قيادة القطاع من كل الفصائل . وإن مبادرة الاقتحام المنشودة هي السبيل العملي لحماية القطاع من كل ما يتهدده . فهل تنهض قيادة القطاع لفرض الأمر الواقع العربي المنشود ؟

وقد يقول بعض ادعياء الواقعية إن هذا الطموح مغامرة ، وهو بالفعل مغامرة محسوبة في ضوء معطيات الواقع المعاش بما شهده الصراع العربي – الصهيوني من متغيرات ومستجدات كانت في صالح قوى الممانعة بأكثر مما هي في صالح التجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني .

عوني فرسخ

كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالامارات

عن موقع التجديد العربي



مقالات أخرى للكاتب

  • «بلفور».. التحدي الاستعماري والاستجابة العربية
  • أبعاد وتداعيات العدوان على الكنائس بمصر
  • فلسطين ، 130 عاما من التصدي والمقاومة والحضور

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    24,287,151