عندما يرد الشعب على الإرهاب !!
2018-01-02 | منذ 4 شهر
د. محمد سيد احمد
د. محمد سيد احمد

 

فى كل المعارك التى تخوضها الأوطان يكون الشعب هو الجندى المجهول, وكثيرا ما تظلم الشعوب ويتم نعتها بأوصاف قاسية من قبيل التخاذل والسلبية وعدم القدرة على المشاركة وتحمل المسئولية, هذا الى جانب إصدار أحكام عامة على بعض الحالات الخاصة, وفى هذا الإطار يوصف دائما الشعب المصري بأنه سلبي تجاه الأزمات والمعارك الكبري التى تخوضها مصر, فالمواطن يقف متفرجا دون أى محاولة للمشاركة فى حل المشكلات والأزمات الكبري التى يمر بها المجتمع, وفى أحيان كثيرة يكون متلقى سلبي تجاه الأحداث الجارية من حوله, ويرمي بالمسئولية كاملة على مؤسسات الدولة.

وعلى الرغم من اعترافنا بأن هناك بعض التقصير أحيانا من المواطن تجاه بعض الأحداث والأزمات الكبرى التى تمر بها الأوطان, إلا أن هذا التقصير دائما ما يكون غير مقصود, بل قد يكون نابعا عن نقص فى الوعى نتيجة لتقصير مؤسسات تشكيل الوعى فى المجتمع من أداء دورها تجاه المواطن, وهنا لابد من الاعتراف أن المواطن المصرى ليس سلبيا بالفطرة لكنه بالفعل لم يتلقى تشكيلا لوعيه بشكل حقيقي عبر مؤسسات تشكيل الوعى المختلفة سواء الأولية أو الثانوية فالأسرة والمدرسة والجامعة تخلت عن مسئوليتها فى تشكيل وعى المواطن بقضايا مجتمعه الأساسية, وكذلك المؤسسات الدينية والجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والأحزاب السياسية ووسائل الإعلام لم تؤدى دورها المنوط القيام به فى عملية تشكيل الوعى.

وفى ظل هذا التقصير من مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية تجاه المواطن وعدم قيامها بعملية تشكيل وعيه لا يحق لها بعد ذلك محاسبته ووصفه بالسلبية تجاه القضايا والمشكلات والأزمات العامة التى يمر بها المجتمع, لأن المواطن فى مثل هذه الحالة ليس أمامه سوى خيارين, الأول هو الاستسلام وعدم التفاعل والسلبية تجاه الأحداث والأزمات التى يمر بها المجتمع لأنه يعتبرها لا تمسه أو أنها ليست من مهامه المشاركة فيها, والثانى هو البحث عن بديل يمده بالمعلومات اللازمة لتشكيل وعيه حول القضايا والمشكلات والأزمات العامة, وفى ظل غياب دور المؤسسات الوطنية تبرز أدوار مؤسسات أخرى غير وطنية, لعل أبرزها فى العصر الحديث وسائل الإعلام التى سيطر عليها اللوبي الصهيونى عالميا, وعبر هذه الوسائل يتم تزييف وعى المواطن بحقيقة ما يحدث ويدور داخل مجتمعه.

وفى العقود الأربعة الأخيرة تخلت مؤسسات الدولة عن دورها الرئيسي فى تشكيل وعى المواطن المصري, كما تخلت عن مسئولياتها فى المساهمة فى توفير احتياجاته الأساسية, وهنا تراجعت القيم الجماعية مقابل انتشار وسيادة القيم الفردية, وعندما تنتشر القيم الفردية يضعف الانتماء والولاء وتبرز القيم السلبية تجاه القضايا والمشكلات والأزمات العامة, لذلك لا يجب اتهام الشعب المصري بالسلبية وعدم المشاركة وتحمل المسئولية, فالدولة ومؤسساتها هى السبب الرئيسي فيما أصاب المواطن من قيم الفردية والأنانية والسلبية.

وفى معركتنا الأخيرة مع الإرهاب كانت مؤسسات الدولة هى السبب الرئيسي في حيرة الشعب تجاه هذه الجماعات الإرهابية, فمنذ مطلع السبعينيات قام الرئيس السادات بعقد صلح مع هذه الجماعات الإرهابية وأخرجهم من السجون والمعتقلات ليواجه بهم خصومه السياسيين, وترك لهم المجتمع يصولون ويجولون فيه كما يحلو لهم, وتمكنوا من التغلغل وبناء النفوذ داخل المجتمع المصرى, ونشروا أفكارهم فى ربوع الوطن واكتسبوا مؤيدين ومتعاطفين معهم, وفى الوقت الذى تخلت الدولة فيه عن مسئوليتها تجاه مواطنيها, كانوا حاضرين بقوة ويملئون الفراغ الذى تركته الدولة, ثم قاموا بقتل الرئيس السادات, وجاء من بعده مبارك واستمر على نفس النهج تاركا للجماعات الإرهابية المجتمع المصري يتحركون فيه بحرية تامة, حتى تمكنوا من الوصول للسلطة بعد 25 يناير 2011.

وكانت أول مواجهة حقيقية للشعب المصرى مع الإرهاب فى 30 يونيو 2013 حين أدرك الشعب المصري خطورة هذه الجماعات على مصالحه حتى الفردية, وخلال السنوات الأخيرة قامت الجماعات الإرهابية بالتصعيد ضد الوطن, حيث تلاقت إرادة ومصالح هذه الجماعات الإرهابية مع مصالح القوى الاستعمارية الغربية التى تمتلك مشروع لتقسيم وتفتيت المنطقة على أسس طائفية, فبدأ التصعيد بالداخل المصرى ضد الأخوة المسيحيين ففى كل عيد أو مناسبة تكون الكنائس هدفا للإرهاب, وتصدت الأجهزة الأمنية للجماعات الإرهابية وقدمت مئات من الشهداء, وبدأ الحديث عن كيفية مواجهة الإرهاب وضرورة أن تكون المواجهة شاملة بحيث تقوم كل مؤسسات الدولة بدورها فى عملية التصدى والمواجهة, وكان من بين آليات المواجهة ضرورة عودة الوعى الشعبي وتفعيل دور المقاومة الشعبية لمواجهة الإرهاب.

وجاءت حادثة كنيسة مارمينا بحلوان هذا الأسبوع لتؤكد أن السلبية ليست سمة متجذرة داخل الشخصية المصرية, بل هى سمة مكتسبة تتم عبر عمليات التنشئة الاجتماعية, لذلك يجب أن تعود كل مؤسسات الدولة المصرية الرسمية وغير الرسمية لأداء دورها فى عملية تشكيل الوعى, والوفاء بمسئولياتها تجاه مواطنيها, هنا سيعود الانتماء والولاء ومشاركة المواطن فى مواجهة المشكلات والأزمات بل وخوض الحروب جنبا الى جنب مع مؤسسات الدولة, كما فعل المواطن صلاح الموجي وأهالى حلوان حين أعلنوا أن الشعب سيرد على الإرهاب, فعندما تتوافر المعرفة الحقيقية عن الجماعات الإرهابية, يستطيع المواطن أن يتخذ منها موقفا, ثم يترجمه سلوكا, وبذلك تكتمل كل مكونات الوعى, اللهم بلغت اللهم فاشهد.                    



مقالات أخرى للكاتب

  • سورية ترسم خريطة العالم من جديد !!
  • العدو الأمريكى مازال يخدعنا !!
  • ماذا فعل إعلام الشر بالعقل العربي ؟!

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    22,918,839