رايات الموصل
2016-11-10 | منذ 2 سنة
د. أحمد يوسف أحمد
د. أحمد يوسف أحمد

 

لا شك أن أنباء بدء معركة تحرير الموصل تسعد كل عربي ومسلم لما تمثله من خطوة مهمة في الطريق إلى القضاء على الإرهاب الذي تغلغل في وطننا العربي بهذه الصورة من الإمعان في الإساءة إلى الإسلام التي مثلتها الطبعة الداعشية من الحركات الإرهابية،

 

ولكن السعادة ببدء معركة تحرير الموصل، والأمل في أن تكون إنجازاً مهماً في معركة تصفية الإرهاب، لا ينفيان أن ثمة أسئلة مقلقة تتعلق بهذه المعركة. ولعل أقل هذه الأسئلة إثارة للقلق ما يتعلق بالاطمئنان على سلامة التخطيط لها، ذلك أن تقديرات بالغة التفاؤل تحدثت عن معركة سهلة لن تستغرق سوى أسابيع، وأن الخيار العسكري فيها سيكون بين القضاء المبرم على «داعش» في العراق أو ترك الطريق مفتوحاً لعناصره للهرب إلى سوريا. لكن تطورات القتال أشارت إلى ما كان يجب أن يكون متوقعاً، وهو أن «داعش» ليس بالعدو السهل بسبب التكتيكات القتالية التي يستخدمها من عمليات انتحارية وأعمال التفخيخ واتخاذ المدنيين دروعاً بشرية وغيرها. والواقع أن خبرة معركة سرت تشير إلى ضرورة توقع مقاومة ضارية إلى أبعد الحدود وإنْ كانت مقارنة القوات التي تحارب «داعش» في الموصل بمثيلتها في سرت تصب في مصلحة الأولى على نحو حاسم، ومع ذلك فإن «داعش» فاجأنا بهجمات مضادة في كركوك وغيرها، الأمر الذي فتح جبهات جديدة في المعركة. وقد فسر البعض قرار التحالف منذ أيام بوقف العمليات العسكرية لمدة يومين بأنه يعكس الحاجة لإعادة الحسابات، وهو ما لا يختلف جذرياً عن التصريح الرسمي من مصدر عسكري في قوات التحالف بأن الوقفة التعبوية هذه غرضها تقييم ما تم إنجازه، وترسيخ ما تحقق من انتصارات.

لكن الأكثر إثارة للقلق بالتأكيد أمران، أولهما الخشية من ممارسات طائفية بغيضة تكتنف عمليات القتال، وهي خشية تستند إلى سوابق أكيدة على النحو الذي يجعل بعض العراقيين متأكداً من تكرار هذه الممارسات، وهو أمر لا يملك المرء سوى التحذير منه، والعمل بكل السبل على منع حدوثه، وتوفير ضمانات ذلك، والأمل معقود على أن الحكومة العراقية لا يمكن أن تسمح بتشويه صورتها بهذه السهولة، وكذلك على الرقابة العربية والدولية على ما يمكن أن يحدث من انتهاكات. أما الأمر الثاني الأكثر إثارة للقلق على الصعيد السياسي وليس الإنساني، فهو تلك الرايات المتضاربة التي ترفعها الأطراف المحاربة ?«داعش»، ويستطيع أي متابع للمعارك أن يرقب هذه الرايات بسهولة تامة وقلق عظيم، فهناك أولاً علم العراق الذي يُفترض أن يُرفع وحده في هذه المعركة، لكن الوحدات الكردية المقاتلة ترفع علمها دون عَلَم العراق وليس معه، وهو نذير شؤم لما بعد المعركة، سواء بالنسبة لمستقبل الأراضي المحررة أو للمستقبل السياسي للعراق ككل. أما ثالثة الأثافي، فإن فصائل «الحشد الشعبي» ترفع رايات الحسين رضي الله عنه! ولا يدري المرء ما علاقة تحرير الموصل بالحسين أو الثأر له، اللهم إلا إذا كانت النوايا مبيتة على أمر لا تُحمد عقباه! وهناك بطبيعة الحال رايات التحالف الدولي التي قد يُقال إنها رايات حليفة استدعيت من حكومة العراق الشرعية لضرورة عسكرية، لكن هناك رايات خامسة تحاول أن تفرض نفسها فرضاً على المعركة، وهي الرايات التركية، ما ينذر بمحاور جديدة للتصارع ومزيد من التعقيد فيه. وقد استدعت ذاكرتي خبرة الحرب العالمية الثانية، حينما كان الحلفاء في لحظاتها الأخيرة يتسابقون على الوصول إلى برلين، رمز النصر على النازية، فتقاسموها في النهاية، وعانت ألمانيا من هذا الوضع أكثر من أربعة عقود حتى انتهت الحرب الباردة واستعيدت الوحدة الألمانية. ومن المؤكد أن توزيع الغنائم بعد انتهاء معركة الموصل سيكون معركة بالغة التعقيد، ترتب نتائجها تداعيات خطيرة على مستقبل العراق، بل إن أحد تفسيرات وقفة اليومين التعبوية في معركة الموصل، ذهب إلى أنها كانت بغرض الاتفاق على الترتيبات السياسية لما بعد المعركة، كما أن مصادر كردية رفيعة تحدثت بصراحة أن تحرير الموصل سيكون نقطة الانطلاق نحو تحقيق حلم الدولة الكردية، فاللهم ألطف بالعراق وشعبه.



مقالات أخرى للكاتب

  • الوحدة العربية بين زمنين
  • موقع الإرهاب من السياسة الأميركية
  • قضية اسمها فلسطين

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    24,630,795