الصراع على اليمن
2014-10-12 | منذ 4 سنة
د. يوسف مكى
د. يوسف مكى

 

تطورات سريعة ومفاجئة أخذت مكانها في
اليمن، خلال الأيام الأخيرة، ارتبطت بسيطرة الحوثيين على أجزاء كبيرة، من العاصمة
صنعاء. وليفرضوا في نهاية المطاف شروطهم على الرئيس اليمني، السيد عبدربه منصور
هادي. فيتم توقيع اتفاق، بين الحكومة اليمنية، وبعض المكونات السياسية، يتضمن
الاستجابة لمطالبهم.

المعضلة اليمانية هذه مركبة ومعقدة. فهي
لا تتمثل فقط في سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة، من أرض اليمن ووصولهم إلى قلب
العاصمة، واستيلائهم على فرقة عسكرية، لم تصمد أمام هجومهم، ولكن أيضا في وجود
حكومة نخرها العجز والفساد، فغدت غير قادرة على فرض الأمن والاستقرار، حتى في حدود
العاصمة العريقة، التي تحتل حيزا كبيرا في الوجدان والضمير اليمني والعربي، على
السواء.

العراق

معضلة أخرى، جديدة على المسرح اليمني،
تضاف إلى معضلاته السابقة، هي انتقال شكل الصراع في اليمن من طابعه القبلي المألوف
إلى طابع أشد خطورة وفتكا، هو الطابع الطائفي. فقد شهد اليمن، طيلة تاريخه العريق،
صراعات قبلية شديدة، أخذت أشكالا مختلفة.

في الشهور الأخيرة، برز الصراع، بين حزب
الإصلاح، الذي يمثل الواجهة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، مع الحوثيين، أتباع
المذهب الزيدي، المدعومين من قبل طهران. وكأن المطلوب أن تكون اليمن، كما كان
العراق ولا يزال، مسرحا لحروب بالوكالة بين إيران وتركيا.

وكان الواضح منذ البداية، أن كفة الصراع
تميل لصالح الحوثيين، الذين راكموا خبرة قتالية طويلة، استمرت لعدة عقود. فقد كانت
منطقة صعدة، من القلاع الحصينة للإمام البدر، أثناء الحرب الأهلية، التي جرت بين
الملكيين والجمهوريين.

جماعة الإخوان المسلمين، لم يكن حضورهم
السياسي قويا باليمن، رغم بروز زعيمهم الديني، الشيخ الزنداني، الذي ظهر على
السطح، كشخصية دينية، أكثر منها سياسية. لكن التحاق بعض أفراد عائلة الأحمر، أضاف
ثقلا قبليا إلى الجماعة. فعائلة الأحمر، هي عائلة عريقة، عرفت بمناوأتها للنظام
الإمامي. وقد أقامت جسورا قوية مع أنظمة وبلدان عربية. فقد كان الشيخ عبدالله بن
حسين الأحمر يحتفظ، حتى وفاته بعلاقة متينة مع بلدان الخليج العربي، لكن من ورثوه
من أبنائه، لم يكونوا يملكون حصافته وحكمته وبصيرته.

الصراع إذن، كما بدا هو صراع، بامتدادات
إقليمية. وهو جزء من محاولة إيران، توسيع عمقها الاستراتيجي، ليصل إلى مضيق باب
المندب، بضفتيه جنوبا، وأفغانستان شرقا والبحر الأبيض المتوسط غربا. وهي
استراتيجية نزعم أن طهران تمكنت من إنجاز كثير منها، أمام ضعف المناعة السياسية
العربية، والعجز الفاضح عربيا، عن لجم طموحاتها.

على أن ما حدث ليس نهاية المطاف. فخارطة
التحالفات القبيلة في اليمن هي أشبه بالرمال المتحركة. وقد أثبتت التجربة
التاريخية اليمنية، أن الدنيا دول، وأن ما كان قويا وجامعا الآن، سيأتي دوره غدا،
ليكون في الخلف.

القراءة الموضوعية، تقول باستحالة توسع
نشاط الحوثيين في هذه المرحلة إقليميا. فقد كانت قوتهم هي في انكفائهم، في حدودهم
التاريخية، حيث التحصن بجبال صعده. أما وأن طموحاتهم، قد دفعت بهم إلى النزول إلى
الوادي، والغرق في متاهات السياسة اليمنية، فإن ذلك سيكون أول مسمار يدق إمارتهم.

فما حدث في صنعاء، لم يكن نتيجة قوتهم
العسكرية، بل تعبيرا عن فشل الحكومة اليمنية، في التصدي لهم، وتحالف الرئيس السابق
علي عبدالله الصالح، والمجموعات العسكرية الموالية له معهم. فلم يحدث قتال حقيقي،
بينهم وبين قوات الحكومة، التي يفترض أن تكون متواجدة وقادرة على حماية العاصمة.
كان هناك تخاذل وفشل ذريع في المواجهة، ولم يكن هناك قتال، بالمعنى الحقيقي، لكي
تمتحن قوة الحوثيين، في مواجهة القوات الحكومية.

وإذن فإن ما يحتاجه اليمن، للخروج من
أزمته الراهنة، هو دولة مؤسسات، قادرة على تمثيل مختلف مكونات المجتمع اليمني.
يسند هذه الدولة جيش قوي، بعقيدة وطنية. ولا يتشكل على أسس قبلية أو طائفية. هذا
المطلب الوطني، لا يقصد منه مواجهة الحوثيين فقط، بل كل من يتطاول على أمن وسلامة
واستقرار اليمن. ومهددات الوحدة اليمنية في هذه المرحلة كثيرة.

فهناك تنظيم القاعدة، الذي ينتظر منه أن
يستفيد من تجربة الحوثيين. فقد رأت عناصره، كيف تمكن الحوثيون من الدخول بسهولة
إلى صنعاء. وبالنسبة للقاعدة، فإن الأبواب التي فتحت لغيرها بسهولة، يمكن أن تفتح
لها بالسهولة نفسها. وهذا ما يمكن أن تكشف عنه الأيام القادمة.

وبالتأكيد فإن ما جرى في صنعاء، سيكون
محرضا للحراك الجنوبي، للاندفاع، نحو تحقيق مشروعه في الانفصال عن المركز، وإقامة
دولة مستقلة خاصة به.

وهنا مكمن الخطر، فحين تضعف الدولة يتجرأ
عليها الخصوم، وأصحاب استراتيجيات التفتيت والتقسيم. وهو ما يتوقع أن تشهده الأيام
القليلة القادمة، حيث سيكون اليمن، وعاصمته صنعاء ساحة حرب أهلية، بين مختلف
الغرماء.

والأنكى من ذلك أن قوى إقليمية وعربية،
سوف تقتنص ما يجري لتوسع من دائرة نفوذها وحركتها، فيقف خلف كل ميليشيا يمانية،
قوة إقليمية تدعمها وتقدم لها ما تحتاجه، لتواصل عمليات تخريبها لليمن السعيد.
وليس من ضرورة لذكر الأسماء، فرقعة الشطرنج، أصبحت مكشوفة وواضحة المعالم.

حل الأزمة اليمنية، يكمن في مواجهة
المشكلات التي يعاني منها اليمن، وعلى رأسها الفقر المدقع، وحالة التهميش الواسعة
التي تعاني منها الأطراف. وضعف الدولة المركزية، وغياب جيش يبنى بحرفية وتدريب
عال، ويحمل عقيدة وطنية، تنأى عن الانتماءات القبلية والطائفية، وتؤمن بوطن يمني
حر وكريم وقادر على النهوض.



 



مقالات أخرى للكاتب

  • تساؤلات حول المقاومة والنهضة
  • خمسة وعشرون عاماً على اتفاقية أوسلو
  • تصاعد الهجمة على حق العودة

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    25,401,771