الشعب يريدني !
2014-09-29 | منذ 4 سنة
د. حسن حنفي
د. حسن حنفي

يسمع الشعب كثيرا من حكامه وهم يخاطبونه «الشعب يريدني». فالحاكم لا يحكم من تلقاء نفسه، بتفويض إلهي أو بسلطة وراثية أو بانقلاب عسكري بل بإرادة الشعب. والشعب يسمع من يتحدث بإرادته وهو لم يفوض أحدا.

فالانتخابات إما مزيفة أو معروفة بنتائجها سلفا أو هي استفتاء على زعيم أو مخلص. فلا يوجد مرشح منافس له. ويتساءل الناس إذا كان الشعب يريده فلماذا الاغتيالات؟ وإذا كان دخل القصر بتفويض من الناس فلماذا الانقلاب عليه، ونقله من القصر إلى القفص؟ وإذا كان يعبر عن إرادة الشعب إيهاما للناس وثقة زائدة بالنفس فلماذا الثورات عليه؟

 

«الشعب يريدني» عبارة كاذبة لأن الشعب ليس وحدة واحدة. هو مكون من عدة طبقات ذات مصالح متعارضة، على الأقل طبقة دنيا وهي الأغلبية، وطبقة وسطى وهي جهاز الدولة من المتعلمين والمثقفين والإداريين، وطبقة عليا من رجال الأعمال وكبار الضباط والرؤساء والوزراء. ويكون الحكم عادة تعبيرا عن مصالح إحدى الطبقات الثلاث.

وفي علم النفس اللغة، تهدف هذه العبارة إلى تغطية النقيض وهو أن الحاكم لم يأت بناء على إرادة الشعب. وتزداد وسائل التغطية بالقول إن الحاكم لا يستطيع أن يعمل بمفرده بل يعمل مع الشعب مع أنه قادر على أن يغير نظام الحكم بمفرده، وقادر على أن يحكم الشعب رغما عنه عن طريق أجهزة الأمن. فالسجون مفتوحة حتى وإن امتلأت بالآلاف. والعنف مشروع بحجة قانون منع التظاهر والدفاع عن النفس. ولا يوجد تحقيق يبين من الذي بدأ بالعنف أولا ومن الذي يدافع عن النفس ثانيا. فالعمل مع الشعب ديمقراطية عملية لتغطية النقص في الديمقراطية السياسية حتى وإن وجدت في الصناديق. والصندوق ليس هو المُعبّر وحده عن إرادة الشعب التي قد تتجلى خارج الصندوق أو على النقيض منه.

ويتم تغليف «الشعب يريدني» بعبارات بلاغية لدى شعب ثقافته البلاغة، وكتابه المقدس إعجاز بلاغي، وفي خطاب سياسي يقوم على الخطاب والإنشاء. مصر قوية، أم الدنيا، قد الدنيا. وأحيانا تظهر العامية البسيطة التي يفهمها الشعب الذي يمثل الحاكم إرادته وبوجه صبوح وابتسامة بريئة تخلو من الغدر والغضب والوعيد. وتخرج من هندام راق ورباط عنق أنيق. لا ينم عن غدر أو يكشف عن شر. والكلام بتؤدة دون انفعال يوحي بالثقة بالنفس وباليقين المطلق بما يقول. والوجه مشرق مثل نجوم السينما، يحبه من يراه. ينفتح له قلبه إنسانيا. ويهمش عقله اجتماعيا وسياسيا.

«الشعب يريدني» ولم يتحقق شيء من مطالب الشعب. الفقر هو الفقر، والاعتقال هو الاعتقال. والأسعار في ازدياد. والفقراء هم الذين يتحملون الأوزار. وُضع الحد الأدنى للأجور ولم يوضع الحد الأعلى للأجور إلا نظريا. ومازالت دخول رؤساء البنوك وكبار الضباط ورجال الأعمال بلا حدود. والفارق الطبقي بين الحد الأدنى والحد الأعلى من واحد إلى ثلاثين ضعفا تقريبا. وقد كان القصد من العدالة الاجتماعية في الستينيات من واحد إلى عشرة. ولم يتحقق شيء من المبادئ الأربعة لثورة 25 يناير 2011: الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. فقد أصبح الخبز بالبطاقات. ولا تكفي حصة كل بطاقة وجبة واحدة للأسرة، وعشرات الألوف من المعتقلين السياسيين دون محاكمة أو إفراج. والتفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء في ازدياد. والخوف من بداية الدراسة في الجامعات يقضى على كل أمل في الكرامة الإنسانية. تتحمل الطبقة الدنيا غلاء الأسعار دون التعرض للطبقة العليا. والأموال المهربة مازالت في الخارج. ومازالت تهرب خوفا من السجن والاعتقال.

لم يعد يصدق الشعب ما يسمع من عبارات تتحدث باسمه مثل «الشعب يريدني». فكلهم سواء في التحدث باسم إرادة الشعب وأحوال الشعب كما هي وربما أسوأ وضعا. يسمع بالأذنين ما يُقال باللسان دون عمل بالجنان. لا أحد حتى الآن يعبر عن إرادة الشعب بالرغم من قوله «الشعب يريدني». فثورة الجياع لم تأت بعد. وإرادة الشعب لم تتجل بعد. ولم يأت حاكم واحد للتعبير عنها مهما قالوا جميعا «الشعب يريدني». وقد يكون السبب في ذلك ليس خداع الحكام أو استكانة الشعوب بل نوع الثقافة السياسية التي يعيشها الحاكم والشعب على حد سواء. وهي ثقافة الرئاسة. هي الثقافة التي تجعل القيمة في القمة، الرئيس، وليس في القاعدة، الشعب. هي الثقافة السياسية الرأسية التي تتحرك بين الأعلى والأدنى وليس الثقافة السياسية الأفقية التي تتحرك بين الأمام والخلف. يأتي الحاكم ليجد ثقافة الرئاسة معدة له سلفا للحكم والتي تسمح له بقول «الشعب يريدني». والتحدي هو: ألا توجد ثقافة سياسية بديلة تقول «الشعب لا يريدني» ويتنازل الحاكم عن الحكم لمن يختاره الشعب؟ ألا يمكن البحث عن خطاب سياسي آخر لا يجعل الرئاسة قدرا مسبقا؟ وماذا عن خطاب أبي بكر في سقيفة بني ساعدة «إني وليت عليكم ولست بخيركم. إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله فيكم. فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم». هنا يعبر الحاكم عن إرادة الشعب. وماذا عن خطاب سياسي آخر يحث المحكوم على بيان عيوب الحاكم مثل «رحم الله من أرشدني إلى عيوبي». وماذا عن محكوم يقول «والله لو رأينا فيك عيبا لقومناه بسيوفنا». إن تغيير الثقافة السياسية الرأسية إلى الأفقية يحتاج إلى أجيال وأجيال، والتخلص من قرون من خطاب سياسي يقوم على «الشعب يريدني» ويقدم للناس الخيار بين الجزرة والسيف. وأيها الشعب كم من الجرائم ترتكب باسمك.



مقالات أخرى للكاتب

  • تمييز العدو مِن الصديق!
  • التحليل السياسي ولعبة المصطلحات!
  • الإرهاب وازدواجية المعايير

  • التعليقات

    إضافة تعليق

    مقالات الأعداء

    إستطلاعات الرأي

    فيس بوك

    إجمالي الزيارات

    23,852,794